السبت 20-04-2024 19:07:38 م : 11 - شوال - 1445 هـ
آخر الاخبار

سلطة الحوثيين.. حرب ممنهجة على القطاع الاقتصادي وفساد بالمليارات

الخميس 28 مارس - آذار 2024 الساعة 10 مساءً / الإصلاح نت-خاص

 

يعاني الاقتصاد اليمني جراء الحرب الدائرة في البلاد نتيجة الانقلاب الحوثي من انهيار تام وأزمات خانقة ووضع اقتصادي غير مسبوق ومرحلة هي أسوأ مراحله، ما بين نهب للمال العام وتجارة الممنوعات واحتكار للأنشطة التجارية وتأميم الشركات والتضييق على القطاع الخاص وفرض الإتاوات والجبايات على ملاك الشركات والمؤسسات والانتهاكات المتكررة بحق المستثمرين وانتشار الأسواق السوداء وتهريب الأموال والمضاربة بالعملة، وغير ذلك من صور الفساد المالي والإداري والسياسي الذي تمارسه مليشيا الحوثي الانقلابية على نطاق واسع، الأمر الذي فاقم الأوضاع المعيشية والإنسانية لملايين الأشخاص وضاعف من معاناة المواطنين.

 

فساد بالمليارات

وضمن مسلسل العبث بالقطاع الاقتصادي والإفساد الممنهج وسياسة النهب والفساد التي تمارسها مليشيا الحوثي، فقد تسببت تلك السياسة في إفلاس عديد من المصانع والشركات والمؤسسات الإنتاجية في المناطق التي يسيطر عليها ويديرها الحوثيون.

مصنع إسمنت عمران أحد أكبر وأقدم المصانع في اليمن هو واحد من المصانع التي طالها عبث الحوثيين والذي خرج كليًا عن الإنتاج نتيجة فساد مالي وإداري في المصنع الذي استولت عليه المليشيا الحوثية، مع ديون وعمليات نهب طالت معظم أصوله وممتلكاته.

ووفقا لوكالة شينخوا الصينية نقلًا عن مصادر خاصة ومطلعة، فإن الحوثيين عينوا قيادات من المليشيا للإشراف على المصنع وإدارته ومارسوا عمليات فساد مالي وإداري، كما استولوا على معظم الأصول والممتلكات واقترضوا ديونًا كبيرة باسم المصنع.

وبحسب الوكالة فقد تكبد المصنع ديونًا كثيرة من مصارف وبنوك تجارية، أحدها بمبلغ يقدر بأكثر من 40 مليار ريال بفوائد باهظة من بنك تجاري واحد في العاصمة صنعاء، وأكثر من 60 مليار ريال متراكمات ديون من قيمة الفحم وقطع غيارات لشركات تجارية.

وقد كشفت المصادر أن قياديًا حوثيًا عينته المليشيا رئيسًا لمجلس إدارة المؤسسة اليمنية العامة لصناعة وتسويق الإسمنت (ي. ح. د)، قام بتحويل أكثر من مليار ريال من مخصصات مصنع إسمنت عمران إلى حسابه الخاص في غضون 8 أشهر فقط.

وتشير المصادر ذاتها إلى أن القيادي الحوثي وجه بصرف كميات كبيرة من أكياس إسمنت عمران باسم وزارة الدفاع وهيئات أخرى تابعة للحوثيين تحت مسميات مساعدات ومعونات.

كما عين الحوثيون قياديًا في المليشيا مديرًا عامًا لمصنع إسمنت عمران، استولى على مخصصات مالية كبيرة، فضلًا عن تعرض المصنع لعملية نهب منظمة لممتلكاته، حيث استولت المليشيا في مايو من العام الفائت عبر جمعية "نبراس الخيرية" وهي جمعية وهمية يديرها "توفيق المشاط" شقيق رئيس المجلس السياسي للحوثيين مهدي المشاط، على أكثر من 7 آلاف لبنة من الأراضي والمحاجر الخاصة بالمصنع، تحت ذريعة إقامة مشاريع خيرية.

كما استولى قيادي حوثي آخر يدعى أبو هاشم الكبسي على باقي الأراضي والمحاجر، حيث تشير المعلومات التقديرية إلى أنه استولى على نحو 1000 لبنة تابعة للمصنع في مديرية بني حشيش بصنعاء، طبقا للمصادر.

وكانت محاجر التربة الطينية الخاصة بالمصنع والتي تم الاستيلاء عليها تشكل نسبة من أصول وممتلكات المصنع ويُستفاد منها في الإضافات الإنتاجية لعملية إنتاج الإسمنت.

ويعتبر المصنع واحدا من المصانع التي توفر المئات من فرص العمل، حيث كان يضم أكثر من 1500 عامل، كما تعتمد أكثر من عشرة آلاف أسرة (عائلها يعمل في الخدمات اللوجستية كالنقل وغيرها) على إيرادات المصنع بشكل غير مباشر، وسط مخاوف من تسريح كافة العاملين في المصنع الذي كان ينتج بطاقته الكلية مليونًا وستمائة ألف طن سنويًا.

 

مطالب مجحفة

مصنع درهم للمشروبات الغازية أحد اكبر الشركات والمصانع التجارية في الحديدة نموذج آخر من نماذج الفساد الحوثي الذي ضرب القطاع الخاص وأصابه في مقتل، فقد تسببت جبايات المليشيا الحوثية المتتالية والمتواصلة عليه بإعلان إفلاسه مطلع العام 2022.

وذكر قائد مقاومة المراوعة سامي باري، في منشور له على حسابه الشخصي بموقع فيسبوك، أن الجبايات الحوثية المستمرة التي أنهكت القطاع الخاص، جعلت إدارة المصنع عاجزة عن سداد رواتب ومستحقات عمال وكوادر المصنع.

وأضاف أن تلك الجبايات تسببت بعجز إدارة المصنع عن الإيفاء بالتزاماتها المالية والإنتاجية للوكلاء والعملاء وتغطية السوق المحلية.

وتزامنا مع إعلان إفلاس شركة درهم للمشروبات الغازية عن إفلاسها، اقتحمت مليشيا الحوثي في العاصمة صنعاء مصنع شملان للمياه، وأوقفت خطوط الإنتاج، وطردت الموظفين، وأغلقت المصنع.

ووفقا لشهود عيان فإن قياديا حوثيا يدعى "حسن الجودة" قاد مجاميع عسكرية لاقتحام المصنع الذي يعد من أقدم مصانع المياه اليمنية، والذي يعمل فيه العشرات من الموظفين.

ووفقا لمصادر إعلامية فإن عملية الاقتحام جاءت بعد رفض إدارة المصنع تقاسم عوائده بشكل غير قانوني مع القيادي "الجودة" المقرب من عبد الخالق الحوثي قائد ما يسمى بالمنطقة المركزية، في صورة تعكس مدى الإمعان في ممارسة التضييق والحرب التي تشنها المليشيا الحوثية على القطاع الاقتصادي بشقيه الخاص والعام.

كما تزامن هذا الاقتحام أيضا مع إغلاق مليشيا الحوثي 12 شركة من كبرى شركات إنتاج واستيراد المواد الغذائية، من بينها شركة “ناتكو” التابعة لمجموعة هائل سعيد أنعم وشركائه، بحجة مخالفتها للأسعار.

 

توجه مرفوض

وعادة ما يتعرض القطاع الخاص للمضايقات بسبب عدم الإذعان بشكل مطلق لمطالب المليشيا الحوثية بدفع مبالغ باهظة نتيجة الإنهاك والأعباء التي تصيب القطاع بسبب الجبايات المتكررة وبمبالغ مبالغ فيها.

وقد دفعت هذه المضايقات والانتهاكات ملاك مصانع البلك والكسارات بمدينة باجل إلى الإعلان عن توقف العمل في العام 2019 مع سعي المليشيا الحوثية لفرض مبالغ جديدة تقدر ب30% من المبيعات، مما دفع ملاك المصانع والكسارات إلى رفض هذا التوجه وتسليم أي مبالغ والتوقف عن العمل.

ويقول مالك مصنع للبلك إنه قرر إغلاقه بسبب الرسوم الجديدة غير المحتملة، في الوقت الذي ارتفعت فيه أسعار المواد الأساسية من الوقود والإسمنت إلى مبالغ يصعب شراؤها، موضحا أنه مع قرار فرض الرسوم الجديدة يظل من الصعب جداً تشغيل المصنع ولذا قرر التوقف، مضيفا أن مدير مديرية باجل الخاضعة لسلطة مليشيا الحوثي والتي يقع فيها المصنع، أبلغهم بتوجه المليشيا فرض المبالغ الجديدة وعليهم التنفيذ.

وفي أكتوبر من العام 2022، أعلنت الشركة اليمنية لتكرير السكر عن توقف أعمالها الإنتاجية، نتيجة قطع الطريق وخطف المدير العام للشركة من قبل مليشيا الحوثي.

وقالت الشركة في مذكرة رفعتها إلى وزير الداخلية في سلطة الحوثيين إنها أوقفت أعمالها بسبب قطع الطريق وإيقاف مركبات نقل الإنتاج إلى عموم الجمهورية، بالإضافة إلى حجز حرية المدير العام للشركة أثناء وصوله إلى مدينة الحديدة.

وتضيف الشركة أن القيادي الحوثي المدعو "أبو مشعل" مساعد مدير أمن محافظة الحديدة للمديريات الشمالية قام بإيقاف نشاط الشركة وعرقلة عملها عبر حجز مركبات النقل وباصات نقل المواطنين الخاصة بالشركة في نقطة مفرق "الصليف"، موضحة أن القيادي الحوثي قام باعتراض سيارة المدير العام للشركة أثناء وصوله مدينة الحديدة، قبل خطفه واقتياده إلى سجن تابع للقيادي الحوثي في مديرية "الضحي" وأخذ هاتفه ومنع الزيارات عنه، رافضا كل التوجيهات الصادرة من الجهات المسؤولة للإفراج عنه.

وفي مايو من العام 2023، أغلقت مليشيا الحوثي مقر شركة نادفود لصناعة الألبان (حليب، وزبادي) الرئيسي التابعة لمجموعة هائل سعيد أنعم التجارية والصناعية في صنعاء.

ووفقا لمكتب التجارة والصناعة بأمانة العاصمة التابع لمليشيا الحوثي فإن عددًا من عناصر المليشيا من مديرية الوحدة في أمانة العاصمة قاموا بإغلاق الشركة بسبب مخالفتها التسعيرة التي حددتها مليشيا الحوثي لبيع الزبادي طبقا لما ذكره مكتب التجارة والصناعة، وعزت المليشيا سبب الإغلاق بأنه جاء تنفيذا لأوامر قيادة وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرتها.

 

أضرار باهظة

وقد كشفت وثائق نشرت في يناير من العام الجاري 2024 عن تردٍ اقتصادي صعب، تعانيه المنطقة الصناعية في الحوبان بتعز، وانهيار شديد في قطاع الأعمال والتوظيف لدى المجموعة الصناعية الأولى في اليمن.

وتظهر إحدى الوثائق التي تداولها ناشطون ووسائل إعلام مختلفة، أن الشركة اليمنية للصناعة التابعة لمجموعة هائل سعيد، تعاني وضعا اقتصاديا صعبا، نتيجة لضغوطات شديدة يمارسها الحوثيون على المجموعة أجبرتها على اتخاذ قرارات ضد مصالح الشركة، التي تحاول جاهدة البقاء.

وبحسب الوثائق فقد أجبرت تلك الأوضاع الشركة على الاستغناء عن خدمات 30 موظفا، وهو ما استغلته مليشيا الحوثي لابتزاز الشركة، وإصدار قرار ضد المجموعة يقضي بعدم الاستغناء عن أي عامل.

كما تشير وثيقة أخرى من تلك الوثائق إلى أن المجموعة رفضت القرار الحوثي، وتعهدت باستخدام حقها القانوني في اتخاذ إجراءات تخص الشركة وتخدم بقاءها، ملوحة بالمضي في اتجاه مزيد من الاستغناء إن تطلب الأمر ذلك.

وكما هو معروف فإن المنطقة الصناعية في الحوبان بتعز تضم مجموعة كبيرة من مصانع مجموعة هائل سعيد، بالإضافة إلى عدد من مصانع تابعة لمجموعات اقتصادية يمنية أخرى، تضررت جميعها بالآثار الاقتصادية والوضع الاقتصادي الصعب بالإضافة إلى الجبايات الحوثية وقطع الطرقات وحصار تعز، الأمر الذي ألحق أضرارا باهظة بالقطاع الخاص، بما فيها منطقة الحوبان.

 

اتهامات بالجملة

ولم تقتصر الانتهاكات الحوثية بحق مجموعة هائل سعيد أنعم عند هذا الحد، بل وسعت مليشيا الحوثي حملاتها بحق المجموعة بشكل لافت، فقد شرعت المليشيا بالتضييق على شركات هائل سعيد كبرى المجموعات التجارية في اليمن بعد إغلاق ناتكو وعلامات تابعة للشركة.

كما دشنت صفحات ووسائل إعلام تابعة لمليشيا الحوثي حملة تحريضية ضد مجموعة هائل وشركائه، كبرى المجموعات التجارية في اليمن.

كما نشر ناشطون حوثيون على حسابات في مواقع التواصل الاجتماعي، منشورات هاجموا فيها بيت هائل سعيد أنعم، الأمر الذي اعتبره مراقبون مرحلة جديدة من الحرب الحوثية المستعرة ضد القطاع الخاص، وفي إطار ممارسات ابتزازية تهدف لإجبار المجموعة التجارية على الرضوخ للمطالب الحوثية وإضعافها، ودفع المبالغ التي تحددها مليشيا الحوثي الانقلابية.

وتضمنت الحملة التي شنتها المليشيا في وسائل إعلامها وعبر ناشطيها اتهامات بالجملة لمجموعة هائل سعيد، بما في ذلك الاتهامات السياسية وأخرى تتعلق بالتعامل مع التجار، طبقا لما نشره المركز الإعلامي التابع للمليشيا، بالإضافة إلى دعوات لمقاطعة منتجات الشركة.

 

نظام اقتصادي مواز

وقد أقدمت مليشيا الحوثي في وقت سابق على إغلاق شركة ناتكو في صنعاء وذمار، إحدى العلامات التجارية التابعة لمجموعة هائل سعيد وشركائه، بمزاعم مخالفة القائمة السعرية، وذكرت مصادر حوثية أن "إغلاق بعض الشركات المخالفة جاء بعد إجراءات رسمية بإخطار تلك الشركات بالالتزام بالقائمة السعرية التي تم إعداداها وفق دراسات دقيقة لحساب التكاليف وفق المتغيرات في الأسواق العالمية".

كما سبق أن قام الحوثيون بمضايقات وحملات ضد شركات مرتبطة بالمجموعة التجارية الشهيرة، التي تمتلك فروعا في العديد من دول المنطقة والعالم، بما في ذلك بنك التضامن الإسلامي.

ويقول رئيس مركز نشوان الحميري للدراسات والإعلام عادل الأحمدي معلقا على عملية الاستهداف المنظمة للمجموعة: "هكذا هو دأب الإمامة على مدى التاريخ وهذه الحملة تؤكد عنصرية هذه المليشيا وضيقها بكل ما يخالف توجهها"، مشيراً إلى أنه "بدأت الحملة الحوثية تحت دعاوى ضبط الأسعار واختتمت بإغلاق شركة ناتكو التابعة لمجموعة هايل سعيد بالشمع الأحمر ليتضح هدفها الحقيقي"، مضيفا أن "الدعاوى الحوثية ضد شركات بيت هايل تثير الضحك وشر البلية ما يضحك".

ويرى المحلل والخبير العسكري محمد عبد الله الكميم أن مليشيا الحوثي تسعى إلى "إنشاء نظام اقتصادي مواز في كل القطاعات التجارية ابتدأها من الشركات النفطية والغاز وشركات الأدوية والاتصالات وانتهاء بكافة القطاعات".

ويضيف الكميم: "بدأوها بمقاطعة منتجات أمريكا وغيرها، ثم اتجهوا للقضاء على التجارة المنافسة لهم باستخدام كل وسائل التطفيش".

ويقول الكاتب همدان العليي إن "عملية نهب وحصار القطاع الخاص في اليمن لا تهدف إلى جمع أكبر قدر ممكن من الأموال لمصلحة مليشيا الحوثي فحسب، بل يمكن التأكيد على وجود سياسة ممنهجة لإضعاف الشركات ورجال الأعمال اليمنيين الذين لا ينتمون إلى هذه المليشيا والدفع بهم إلى الإفلاس أو مغادرة اليمن".

ويضيف العليي: "برعت المليشيا الحوثية في التضييق على القطاع الخاص وابتزازه ومحاصرته، وهو ما عرّض كثيرًا من المؤسسات التجارية والصناعية والمصرفية للانهيار والإفلاس"، وفي مقابل ذلك "برز التسابق إلى إنشاء شركات ومؤسسات تجارية جديدة، لتكون بديلة عن المؤسسات المفلسة أو المغادرة، وتديرها قيادات المليشيا بشكل مباشر أو بواسطة شخصيات تابعة لها".

كلمات دالّة

#اليمن