السبت 20-04-2024 19:21:36 م : 11 - شوال - 1445 هـ
آخر الاخبار

مقاصد الوحي بناء اجتماع المعرفة (الحلقة الثالثة: السياسات من الفاعلية إلى التيه)

الأربعاء 28 فبراير-شباط 2024 الساعة 08 مساءً / الإصلاح نت-خاص-عبد العزيز العسالي
 

 

المحور الأول، تحويل القيم إلى آليّات:

القيم القرآنية المتصلة بسنن الاجتماع - بناء مجتمع المعرفة.. ترسخت نظريا لدى الصحابة طيلة العهد المكي، وتم تحويلها إلى آليات عملية - تطبيق نبوي وتحديدا من بيعة العقبة الثانية، وبهذه البيعة أرسى الرسول صلى الله عليه وسلم مبدأ تشريعيا سياسا محوريا أن "الإسلام نظام أمة"، جاعلا من البيعة شرطا أساسيا لدخول المدينة، وفور وصوله استكمل مؤسسية نظام الأمة - استكمال البيعة من بقية الأنصار، تلا ذلك آلية المرجعية - دستور المدينة، ثم آلية الأخوة بين المهاجرين والأنصار، ثم تأسيس سوق في المدينة مقابل أسواق اليهود.

وفي ذات الوقت تزامن إقامة اللجنة الأمنية لحراسة المدينة ليلا بعد أن وضع معالم حدود المدينة والتي أطرت أوزاعا من قرى البادية قائلا لهم: يمكنكم تعقدوا ولاءات مع الأنصار.. أيضا لهم الحق بموالاة سكان البادية، والهدف من هذا الحصول على المعلومة الأمنية من أولئك.

الجدير ذكره أن الرسول صلى الله عليه وسلم أرسى تلك الآليات وغيرها، علما أن القرآن قد ضمن له العصمة - الحماية: "والله يعصمك من الناس". وهذا يؤكد بجلاء أن الإسلام "نظام أمة" وأن الهدف هو خلاص جماعي - لا فردي أولا، وثانيا بناء مجتمع المعرفة من خلال مقاصد الوحي تطبيق عملي - تدريب المجتمع على بناء أمة - التي تكرر ذكرها كثيرا في مواد الدستور.. ترسخ مفهوم نظام الأمة لدى المجتمع الجديد، وجاءت نصوص القرآن فوضعت "مصطلح المدينة" نظام، هوية، مؤسسات مجتمع.. واستمر هذا النظام يعطي فاعليته، والدليل هو أن أغلب الصحابة لم يبايعوا الخليفة الرابع، ذلك أن المجرمين قتلة عثمان فرضوا بيعة الأمر الواقع، وهذا ما قاله الفقيه المؤرخ الخطيب البغدادي: لم يكن مع علي سوى عمار بن ياسر فقط. ودليل آخر هو تنازل الحسن لمعاوية فاتجه المجتمع للبيعة وانطلق للجهاد.

الجدير ذكره أن مفهوم نظام الأمة ظل يؤتي أُكُلُه عمليا بتفاوت حتى وفاة الخليفة خامس الراشدين عمر بن عبد العزيز، رحمه الله.

المحور الثاني، العباسيون والترويض الفارسي:

أولا، مؤشرات سريعة:

انقلب العباسيون بجيش الفرس المتربص بدولة الإسلام فدخلت ثقافة التقديس - تأليه القياصرة ولكن بغلاف روايات اختلقتها العقلية الفارسية بهدف كسب حكام بني العباس مثل: يا عباس النبوة فيك وولدك.. المهدي من نسلك يا عباس.. الخلافة فيك وفي ولدك يا عباس.

بالمقابل اختلق الفرس آلاف الروايات أن الخلافة للبطنين، غير أن تلك الافتراءات انحصرت في أطار البلاط.

ثانيا، ترويض الثقافة الإسلامية:

لن نكون مبالغين إذا قلنا إن الدولة العباسية يصدق فيها المثل القائل: "المكينة شيعية والبودي عباسي".. فالمكينة هم "الكُتّاب"، والكاتب يومها يعني الوزير، فهو المتصرف في الشأن الثقافي والسياسي، وهنا تمكنت الثقافة الفارسية من ترويض الثقافة الإسلامية من خلال ترجمة ثقافة الفرس التي تقدس الحاكم، ومن يقرأ عهد أنو شروان لولده أرد شير يصاب بالذهول حقا، تلاها ترجمة فلسفة الهند - الغنوصية الباطنية والتي كرست قاصمتين: الأولى، فصل الدال عن المدلول تحت شعار النص القرآني له ظاهر وباطن. فالصلاة هي متابعة الإمام، والزنا يعني إفشاء أسرار المذهب لغير أهله، فرعون هو القلب، تذبحوا بقرة هي عائشة. والثانية، حدثني قلبي عن ربي.. فالقاصمة الأولى تمييع النصوص وهذا مرفوض لدى كثيرين بخلاف القاصمة الثانية التي تعني الأخذ المباشر من اللوح المحفوظ، ولكي تجد جواز عبور مجتمعي يضاف إليها قاصمة ثالثة تقول إن القرآن والسنة يأخذ بها المحجوبون عن الله - الحضرة المقدسة.

إضافة إلى ذلك اختلاق الروايات تقديسا للحاكم.. وقد خلطت بين مفهوم الخلافة ومفهوم الفردية.. الطاغوت والاستبداد والظلم.. من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية. وقد خلع ربقة الإسلام.. اسمع وأطع وإن جلد ظهرك وأخذ مالك.. وهناك حشد كبير جدا من هذه الافتراءات على الله والرسول صلى الله عليه وسلم، وفي ميدان الأدب سأكتفي بمثالين للإجرام الفارسي: الأول، الجاحظ: تم إلصاق كتابين باسمه هما: التاج أي تاج الملوك.. والثاني: الصحبة.. كيف تصاحب الحاكم.. الكتابان أسقطا كل صفات الله على الخليفة.. أيضا أكوام في منتهى الخسة والسفالة، والهدف هو تشويه الجاحظ الذي ألّف كتابا ضخما في فضائل الخليفة عثمان بن عفان.. وهناك كتب أدبية كثيرة.

ثالثا، عصر البويهيين:

البويهيون سلالة شيعية فارسية، انقلبوا عام 334 هجرية، واستولوا على الجهاز التنفيذي للدولة - رئاسة الوزراء.. وسلطوا أنواع الإهانات على الخليفة.

باختصار، رفع البويهيون شعارا خبيثا؛ أنهم زيدية وأنهم مع حرية الرأي.. والهدف نشر الثقافة الباطنية الفارسية؛ تعصب شيعي.

نجحت فكرة البويهيين في دفن الثقافة الإسلامية تماما وظلت عملية الدفن 110 اعوام.. خلال تلك الفترة تولى الماوردي رئاسة الوزراء.. فقيه شافعي وقد ألف كتاب الأحكام بعنوان "الأحكام السلطانية".. وفي ذات الوقت ألف أبو يعلى الحنبلي كتابا بنفس الاسم، وقد اتفق الكتابان على تقرير واعتماد سياسة الأمر الواقع - السياسات العامة.. وخلاصتها انتزاع السياسات العامة من نظام أمة يحمي مصالحها إلى تمليك الحاكم أيا كان أن يقرر ما يراه تحت مسمى السياسة الشرعية - السياسات العامة.

صحيح أن الجانب الإداري للدولة احتل النصيب الأكبر في تلك الكتابات، لكن الخطير شرعنة بيعة الخليفة برجلين قياسا على عقد الزواج. وفي ذات الفترة، خرج ابن حزم الأندلسي بنظريته الأفظع إثباتا لاجتهاده قائلا: تصح البيعة بنصف رجُلٍ - جارية.. يا إلهي، لو أن جارية أمير باتت معه وقالت له أبايعك انعقدت البيعة وعلى الأمة البدار بالبيعة قبل أن تنخلع عنها ربقة الإسلام.. اختلطت الرؤى، وانتشر الرفض والتقديس، وبطبيعة الحال حضر التعصب المذهبي والتربص تجاه بعض، مع غض الطرف تجاه 3 مفاهيم خطيرة؛ تقديس الحاكم، وإغفال تام لمفهوم الشورى، وتقرير صلاحية الحاكم في وضع السياسات العامة، باستثناء تمكين القضاء بوضع السياسات القضائية بالاشتراك مع الفقهاء.

ونظرا للفساد الإداري الذي طال الموظفين من قبل كبار المسؤولين، ظهرت آلية جديدة - قضاء المظالم - انتصارا للموظفين، أيضا آلية أخرى - نظام الحسبة.. وظيفتها زجر وتأديب الواقع في خطأ لم تكتمل أركانه للنظر القضائي - مزاحمة الشارع العام بعرض البضاعة وجزئيات كثيرة.. غش البضاعة.. وأفضل كتاب حول الحسبة هو "معالم القربة في نظام الحسبة" لابن الأخُوّة.

الجدير ذكره أن ابن تيمية ألف كتابا عن السياسة الشرعية وآخر في الحسبة، وكانت حلقة الشيخ زاخرة بجنود المماليك وأصبح أحدهم أميرا لسوريا هو "الناصر قلاوون"، فقدم ابن تيمية كتاب السياسة الشرعية لتلميذه الأمير فأخذته العزة بالإثم فأوعز للصوفية خصوم ابن تيمية فاشتكوا به وتم سجن الشيخ عامين وبعدها تم سجنه طويلا ومات في سجنه.

إذن لقد دخلت آليات السياسة العامة في نفق الوعظ فضعف دورها، وهذا الانزواء بدأ مبكرا كما سنوضح في المحور التالي.

المحور الثالث، من الانقلاب إلى شرعنة التغلب:

أولا، كان تغلب البويهيين وأمثالهم في سائر الأقاليم يفتقر إلى شرعية موافقة الأمة، وكان الخلفاء العباسيون في حالة من الضعف المقرف ولكنه يضفي الشرعية على الانقلابيين، وذلك الإضفاء تتجلى فيه هوّة الانزلاق التي انحدرت فيها الثقافة الإسلامية حيث أصبح الجدل الفقهي يدور حول: هل الحاكم وكيل للأمة أم وصي عليها؟

ثانيا، نتائج التعصب البويهي:

طال أمد حكم البويهيين حتى انتشر التشيع والرفض والفساد الإداري والحروب وترهلت أسرة الحكم فبادر الفقيه الجويني الشافعي بتأليف كتاب "غياث الأمم في التياث الظُّلَم".. ويطلق عليه "الغياثي"، والهدف من تأليفه هو تحريض القائد نظام الملك السلجوقي على الانقلاب ضد البويهيين، وقد انطلق من المنهج المقاصدي تحدث في فصوله الأولى عن فساد الدولة وانعكاساته المدمرة، كيف لا وها هم الصليبيون قد احتلوا بيت المقدس وانقلبت القبائل في كل الأقاليم مكتفية بإعلان الولاء للخليفة فقط.

بكلمتين، استولى نظام الملك على الدولة وأعلن ولاءه للخليفة، غير أن الفقيه الجويني أضاف فصولا أخرى على الكتاب يشرح فيها ما وصل إليه حال الدولة بسبب ضعف الخليفة، وتوصل بلغة هادئة إلى الطعن بحديث قرشية الخلافة، وكرر إغراءاته لنظام الملك بالانقلاب على الخليفة، وكثرت تأكيداته وإغراءاته الداعية إلى وجود قبضة عسكرية حديدية، وقد دفن الشورى بتأكيداته على التغلب المنقذ للدولة بقوة البطش، وقد تحدث بأسلوب أدبي جزلٍ متين جذاب مصرحا بالفوائد الكبرى لاستكمال الانقلاب ومآلات القبضة الحديدية العسكرية وثمارها التي ستعود على الأمة.

غير أن نظام الملك اكتفى برئاسة الحكومة، ومات الجويني بعد 4 سنوات، فاستلم تلميذه الغزالي المبادرة وكرر كلام أستاذه، مع نسيان تام للشورى، والعكوف على محاربة الثقافة الباطنية البويهية.

ثالثا، التجليات اللاحقة:

تقعيد وتأصيل فقهي يكرس الاستبداد - وصاية الحاكم على الأمة كما في القاعدة التالية: "رأي الحاكم أو نائبه مقدم على الإجماع". ولأن هذا التقعيد الفاضح قد هدم نظرية القرآن في مقاومة الطغيان، لجأ الفقه إلى صياغة قاعدة فقهية بهدف ترشيد وصاية الحاكم ولكنها تفتقر إلى الإلزام، تقول القاعدة: "تصرف الحاكم منوط بمصلحة الرعية".. الظاهر أن صياغة القاعدة جميلة ولكن.

نأتي إلى تجليات الوعظ الباهت والذي حمل الغرائب الكثيرة جدا، مثال عليه: قراءة سيرة الخلفاء الراشدين للتبرك فقط، لأن عدل الراشدين لم ولن يعود أبدا، وأن الرسول قد قرر ذلك وأن المهدي هو الذي سيقيم العدل آخر الزمان.

وهنا دلالة على ثقافة التشيع التي جثمت على العقول والنفوس؛ عقيدة، وتشريعا، ووعظا، وخطابا، وشعرا وأدبا.

جدل في غير محله:

بصيص أمل وسط جدل في فروع الفقه لا غير.. نجد ذلك في إعادة تعريف السياسة الشرعية عند الفقيه ابن عقيل الحنبلي قائلا: والسياسة الشرعية هي ما يكون معها الناس أقرب إلى العدل والمصلحة ولو لم يشرعها الله ولا رسوله.. كلام عظيم، ولكنه يصطدم بكتل خرسانية من العقول الصدئة التي جعلت ابن عقيل يستدرك أنه إزاء رأي مذهبي متعصب فيقول: فإن قلت لا سياسة إلا ما نطق بها الشرع سأقول لك: لا سياسة إلا ما وافقت الشرع.

الجدير ذكره أن هذه التشريعات الترشيدية، رغم افتقارها لآليات حماية وتنفيذ، لكنها مع ذلك ظلت سجينة بطون كتب القواعد الفقهية، ولو حصل أن فقيها قام بتدريسها للطلاب يقرر مسبقا للطلاب أن تدريس هذه القواعد هو من باب الإعلام لا غير وليس للتطبيق، ويعزز كلامه بالقول إن القواعد الفقهية والأصولية لا تصلح للاستدلال.

المحور الرابع، الدخول في صحراء التيه:

التقليد المذهبي قاد إلى الجمود الفقهي وأصبح الشعار ليس في الإمكان أبدع مما كان. وقد طال الأمد فقست القلوب ودخل العقل الفقهي في نوم - غيبوبة عميقة.. ثم أفاق في مطلع القرن العشرين على احتلال أجنبي لبلاد الإسلام، انطلقت الشعوب تقارع الاحتلال فخرج هزيما ولكنه قد خلف العقليات المتناقضة والمتصارعة كلاهما غارقة في صدأ التقليد - للموروث والو افد، طيلة 70 عاما بل أكثر.

صحيح أن لعقل الفقهي أفاق أكاديميا، وذلك منذ مطلع العقد الأخير من القرن العشرين، وقد تناولت الدراسات الأكاديمية المقاصد العامة للشريعة وكذلك السياسة الشرعية وأيضا السنن الاجتماعية، وقد بلغت المخرجات في حدود علمي قرابة 220 دراسة، ولكنها لم تقدم أي جديد وإنما كلها أمثلة من الماضي.

غير أن العقلية السلفية والعقلية الغارقة في الروايات والعقلية العلمانية كلها ترفض الكلام عن المقاصد.. السلفي يعتبرها ضد الروايات، والعلماني ينكر أن الإسلام فيه رؤية حضارية.

الجدير ذكره أن العقلية الثاوية في الماضي تمثل أس المشكلة.. نعم هنالك مؤشرات تبشر بخير في مجال فقه السياسات العامة ولكنها شحيحة نادرة ومع ذلك فهي واعدة ومشجعة، وفي الحلقات القادمة بعون الله سنقدم خلاصات.
إلى اللقاء..

من نظام مؤسسة الأمة إلى التوريث.. من شورى البيعة والاختيار إلى الشورى الشكلية.. من مؤسسية رقابة نظام الأمة إلى النصح الوعظي.. من إلزامية شرعية شروط التعاقد إلى القبول المعكوس بالتغلب.. من منظومة مقاصد الوحي مقاومةً للطغيان إلى تلفيقات كلامية تشرعن، بل وتكرس وتقدس الطغيان، وتحميه باسم الإسلام.

كلمات دالّة

#اليمن