الخميس 29-02-2024 21:23:09 م : 19 - شعبان - 1445 هـ
آخر الاخبار

سجون الحوثيين.. انتهاكات متواصلة وممنهجة يندى لها ضمير الإنسانية

الأحد 11 فبراير-شباط 2024 الساعة 08 مساءً / الإصلاح نت - خاص

 

تتزايد انتهاكات الحوثيين في مناطق سيطرتهم بحق المواطنين بمختلف شرائحهم، وتتنوع تلك الانتهاكات لتشمل الانتهاكات النفسية والجسدية، وقد أدى معظمها إلى إعاقات دائمة أو حالات نفسية، ووصل كثير من حالات الانتهاكات إلى الموت.

وكشفت منظمات وجهات حقوقية مهتمة أن مليشيا الحوثي تمارس أبشع أنواع الانتهاكات وأقسى التعذيب الذي أفضى في كثير من الحالات إلى موت العديد من الضحايا الذين مورست بحقهم تلك الانتهاكات.

جريمة غامضة

خلال الأيام الأخيرة طفت إلى السطح قضية الدكتور منصور محمود الشبوطي، استشاري أول جراحة عامة في مستشفيي الجمهوري وعبد القادر المتوكل، الذي توفي بعد أيام من اختطافه من قبل مليشيا الحوثي، حيث أكدت مصادر طبية أن المليشيا الحوثية سلمت جثة الدكتور الشبوطي وعليها آثار تعذيب، مشيرة إلى أن الدكتور الشبوطي كان يتمتع قبل اختطافه من قبل مسلحين تابعين لجهاز أمن المليشيا الحوثية بصحة جيدة، وأن عملية الاختطاف تمت في ظروف غامضة.

وقد طالبت منظمة أطباء اليمن في المهجر بتحقيق فوري وشفاف في وفاة الطبيب الشبوطي، بعد أيام من إطلاق سراحه عقب الاختطاف الذي استمر أسبوعين في سجون المليشيا في صنعاء.

وتقول المنظمة في بيان لها إن الدكتور منصور الشبوطي، استشاري الجراحة العامة، كان بصحة جيدة قبل احتجازه لمدة أسبوعين ليعود في حالة صحية سيئة توفي على إثرها، مشيرة إلى أن سبب الاحتجاز غير معروف.

وتضيف المنظمة أن حوادث عديدة قد تمت بحق أطباء وأكاديميين بظروف مشابهة، معتبرة هذه التهديدات خطرًا على الكوادر الطبية، وتهدد بتفكيك المنظومة الصحية في اليمن نتيجة لانعدام الأمن وغياب الحماية.

دعوة عاجلة

وقد دعت الهيئة اليمنية الوطنية للأسرى والمختطفين، في بيان لها، اللجنة الدولية للصليب الأحمر إلى زيارة سجون المليشيا الحوثية، والاطلاع على أوضاع الأسرى والمختطفين المدنيين والناشطين في تلك السجون وما يجري داخلها، واتهمت المليشيا الحوثية بممارسة تعذيب ممنهج وتصفية الأسرى، مؤكدة أن ذلك يستوجب تشكيل لجنة تحقيق دولية "لإيقاف مثل هذه الجرائم ومحاسبة ومعاقبة مرتكبيها".

كما طالبت في الوقت ذاته مكتب المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بالضغط على الحوثيين لاحترام القانون الإنساني الدولي، والقانون الدولي لحقوق الإنسان، وعلى وجه الخصوص اتفاقية جنيف بشأن معاملة أسرى الحرب، التي تحظر الاعتداء على الحياة والسلامة البدنية، خصوصاً القتل بجميع أشكاله، والتشويه، والمعاملة القاسية، والتعذيب.

ومنذ انقلابها على الشرعية، تحتجز مليشيا الحوثي الآلاف من المعارضين للانقلاب ومن غير المنتمين للمليشيا، في السجون والزنازين المنتشرة في عموم المناطق التي لا تزال تحت سيطرة المليشيا، وهي المناطق التي حولتها المليشيا إلى سجن كبير.

وبحسب تقارير حقوقية فقد لقي كثير من اليمنيين في المناطق الواقعة تحت سيطرة المليشيا الحوثية مصرعهم في السجون والمعتقلات، نتيجة التعذيب المستمر الذي تنتهجه المليشيا بحق المختطفين، حيث وثقت منظمة حقوقية يمنية في تقرير لها صدر مطلع يوليو 2022 مقتل 293 معتقلًا مدنيًا قضوا تحت التعذيب في سجون ومعتقلات الحوثيين في المحافظات الخاضعة لسيطرتهم منذ الانقلاب على الدولة، قبل أن ترتفع تلك الحصيلة في الأشهر الأخيرة بوقوع العديد من حالات الموت دخل سجون الحوثيين.

سادية مفرطة

ووفقا لمنظمة "مساواة للحقوق والحريات" في بيان نشرته على حسابها في منصة "إكس"، فإن 293 معتقلًا مدنيًا قضوا تحت التعذيب في سجون ومعتقلات مليشيا الحوثيين في مختلف المحافظات الخاضعة لسيطرتها، منذ بداية انقلابها على الشرعية في سبتمبر 2014، وحتى نهاية يونيو 2022.

وقد سجلت العاصمة صنعاء أعلى نسبة تعذيب للمختطفين داخل زنازين الحوثيين، وذلك بواقع 430 حالة تعذيب جسدي ونفسي لمختطفين مدنيين، من بينهم 12 طفلًا و8 نساء و12 مسنًا، فضلًا عن 48 مختطفًا تم تعذيبهم حتى الموت بينهم 4 مسنين و8 نساء، 5 منهن أقدمن على الانتحار داخل السجن المركزي نتيجة تعرضهن للاغتصاب تحت تهديد السلاح والتعذيب الشديد.

وبحسب رئيس المنظمة توفيق الحميدي فإن "هذا الأمر يعود إلى السادية التي تسيطر على نفسيات السجانين الحوثيين، الذين يرون في عمليات التعذيب والإخفاء، بل والقتل تحت التعذيب، نوعًا من القربان اليومي الذي تقدمه المليشيا لزعمائها ومشرفيها".

وأضاف أن القائمين على هذه السجون "لم يتلقوا أي ثقافة مدنية، في حين تشبعوا بالثقافة العقدية والتعبئة الفكرية الطائفية.. إن هؤلاء المختطفين ما هم إلا أعداء ويهود وموالين لإسرائيل وأمريكا، كما تردد أدبيات المليشيا، وبالتالي يتوجب إنزال أقسى العذاب الوحشي عليهم، والذي يصل في مرات عديدة للقتل، وقد رأينا كثيرا من السياسيين والإعلاميين بعد أن خرجوا من هذه السجون شبه أحياء، في حالة نفسية وبدنية صعبة للغاية".

حوادث تثير القلق

وقد طالبت منظمات حقوقية، مطلع فبراير الجاري، بفتح تحقيق جدي ومحايد، لكشف ملابسات ارتفاع نسبة الوفيات داخل معتقلات الحوثيين بعد خروجهم من سجون المليشيا.

ويقول المركز الأمريكي للعدالة (ACJ) إن "تكرار حوادث وفاة العديد من الأشخاص ممن كانوا معتقلين لدى مليشيا الحوثي بعد خروجهم من المعتقلات بحاجة لفتح تحقيق جديّ ومحايد"، معربا في بيان له عن "تخوفه من أن تلك الحوادث لها ارتباط بما عايشه أولئك الأشخاص خلال فترة اعتقالهم لا سيما وأن معظمهم عانى من تردٍّ في حالته الصحية قبل وفاته والبعض ظهر عليهم آثار تعذيب”.

ويشير المركز في بيانه إلى وفاة الطبيب منصور الشبوطي بتاريخ 27 يناير 2024 في ظروف غامضة، وذلك بعد فترة وجيزة من إطلاق سراحه من سجون مليشيا الحوثي التي مكث فيها لأسبوعين قبل أن يخرج وهو في حالة صحية سيئة فارق بعدها الحياة، عكس الحالة التي كان يتمتع بها، ووفق المعلومات والشهادات التي تناقلها أصدقاء وزملاء الطبيب وتابعها المركز، فقد أكدت تلك الشهادات أن الطبيب كان يتمتع بصحة جيدة قبل دخوله السجن، وأن حالته الصحية التي خرج بها من السجن فاجأتهم، مشيرين إلى أن الطبيب "الشبوطي" خرج وهو بحالة صحية سيئة للغاية.

ولفت بيان المركز الأمريكي للعدالة الانتباه إلى أن ملابسات حادثة وفاة الطبيب منصور الشبوطي تثير القلق وبشكل خاص الأسباب التي أدت لوفاته لا سيما وأن سجل المليشيا الحوثية وتاريخها حافل بمثل هذه الحوادث المشابهة، مؤكدًا أن هذه الجريمة ليست الحالة الأولى التي يرصدها المركز لأشخاص فقدوا حياتهم جراء التعذيب ممن كانوا معتقلين لدى مليشيا الحوثي، الأمر الذي يظهر سلوكًا ممنهجًا لدى المليشيا وليست مجرد حوادث عرضية، داعيا إلى ضرورة فتح تحقيق حيادي وشامل في ملابسات حادثة وفاة الطبيب منصور الشبوطي والحوادث المشابهة السابقة، معبرًا عن شكوكه وقلقه من الأسباب الفعلية وراء وفاة الطبيب والحالات السابقة المشابهة.

إعدام لفرص الحوار

ويرى مراقبون أن الممارسات الحوثية الإجرامية المتكررة التي تمارس بحق السجناء والمختطفين بشكل ممنهج تبعث انطباعا متجذرا بعدم جدوى التفاوض مع المليشيا الحوثية، كما تعكس التركيبة الأيديولوجية الإجرامية والطبيعة النفسية المنحرفة، الأمر الذي من شأنه أن يقوض فرص التقارب التي تطرأ بين الحين والآخر في ملف الأزمة اليمنية بمساعي الجهود الإقليمية والدولية الساعية إلى وقف الصراع ونتائجه.

وقد أعلنت الحكومة اليمنية الشرعية في وقت سابق وفاة ضابط أسير من قوات الجيش الوطني التابعة لها تحت التعذيب الذي تعرض له في سجون مليشيا الحوثيين في العاصمة صنعاء الخاضعة لها عقب خمس سنوات من اعتقاله وإخفائه.

ووفقا للبيان الحكومي فإن الضابط الأسير فيصل عبد العزيز أبو راس توفي داخل سجن للحوثيين في صنعاء منتصف العام الماضي 2023 "بعد تعرضه للتعذيب الوحشي خلال احتجازه في السجن، قبل أن يفارق الحياة متأثراً بذلك".

كما أدانت الحكومة على لسان وزير الإعلام والثقافة معمر الإرياني بأشد العبارات إقدام مليشيا الحوثي الإجرامية على تصفية الضابط في الجيش الوطني أبو رأس "تحت التعذيب بعد احتجازه وإخفائه قسراً مع عدد من رفاقه في جبهة آل أبو جبارة بمحافظة صعدة عام 2019".

تعذيب لا يطاق

يروي الدكتور عبد القادر الجنيد، الناشط السياسي وعضو الحركة الاجتماعية الثقافية في مدينة تعز، قصصا من فترة اعتقاله في سجون مليشيا الحوثي، التي قضى فيها ما يزيد عن 300 يوم في سجون المليشيا بسبب نشاطه وكتاباته ضد المليشيا الانقلابية.

ويقول الجنيد: "تم اقتيادنا إلى سجن الأمن القومي في صرف بمنطقة بني حشيش بالقرب من معسكر الخرافي في صنعاء، وكانت ظروف السجن مرعبة، فهو عبارة عن غرفة مظلمة لا تتوفر فيها عوامل التهوية ولا ضوء الشمس، حتى إن القدرة على الحركة صعبة جدًا، وفي زاويتها حفرة صغيرة مغطاة بساتر لا يتعدى مترًا واحدًا، لقضاء الحاجة".

ويكشف الجنيد عن أن العديد من المعتقلين لم يتمكنوا من تحمل أنواع التعذيب بالقول: "شاهدت أشخاصًا ينتحرون شنقًا في السجن، وخلال فترة اعتقالي انتحر 3 أشخاص، وفي إحدى المرات أحضروني من زنزانتي لفحص شخص حاول الانتحار في الثالثة فجرًا".

وأضاف أن من يفشل في الانتحار يتعرض لعقاب أكبر، مؤكدًا أن "معظم المعتقلين يعانون من انهيارات عصبية، حتى إن البعض فقد عقله بسبب التعذيب، وكانت أصوات البكاء والصراخ تصدر باستمرار من الزنازين المجاورة حيث يقوم البعض بضرب رأسه بشدة بالجدار".

إعدامات سرية

ويؤكد حقوقيون ومنظمات حقوقية حدوث عدد كبير من وقائع الموت نتيجة التعذيب، من بينها واقعة موت الشاب باسم عبد الكريم الحوبري، من أبناء محافظة ذمار، الذي توفي في مايو 2022 بعد اختطافه من قبل مليشيا الحوثي في أحد شوارع العاصمة صنعاء قبل نحو أسبوعين فقط من وفاته، حيث تعرض خلال فترة اختطافه للتعذيب الوحشي في سجون المليشيا الحوثية، فارق على إثره الحياة.

كما كشف ناشطون حقوقيون عن وفاة الأخوين جهاد وسليم عبد الكريم القوسي تحت التعذيب بعد اعتقالهما من منزلهما بمنطقة السحول بمحافظة إب، إضافة إلى ما تعرض له الشيخ محمد زيد السبل من مديرية القفر في المحافظة نفسها والذي تعرض مع مرافقه للاختطاف، قبل أن تقوم المليشيا بتقييد قدميه بالقيود، وتعذيبه بشكل غير مسبوق، حيث قطع لسانه وفقئت عيناه وسحل بالشارع، ثم أُعدم مع مرافقه رميًا بالرصاص.

وفي يوليو من العام 2022، كشفت ناشطة حقوقية عن وفاة مختطف من عمال الإغاثة الإنسانية تحت التعذيب في سجون الحوثيين بمحافظة الحديدة.

وبحسب عضو اللجنة الوطنية للتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان في اليمن إشراق المقطري، فإن "مليشيا الحوثي أبلغت أسرة المختطف ياسر محمد جنيد (45 عامًا) بوفاته، وأن جثته موجودة بأحد المستشفيات"، موضحة في سلسلة تغريدات على صفحتها بموقع "إكس" أن "ياسر جنيد كان يعمل في الإغاثة الإنسانية في مديرية الخوخة، واعتقله الحوثيون في فبراير 2017، ونقلوه إلى زبيد، ثم أنكرت المليشيا وجوده".

وتضيف المقطري أنها "استمعت لزوجته وهي تبكي وتطالب بإظهار زوجها ومحاسبة الجناة، واليوم اتصلوا بها من صنعاء لتستلم جثة زوجها المرمية بثلاجة أحد المستشفيات".

ويؤكد مراقبون أنه في خضم هذا المشهد المأساوي الذي يندى له الجبين أضحت ثمة مسؤولية يتحملها الضمير الإنساني عالميًا وعربيًا، بضرورة الإسراع باتخاذ إجراءات فاعلة لإنقاذ الضحايا اليمنيين من موت محقق تحت هيمنة مليشيا إرهابية لا تعر بالا للمواطن اليمني وحقه في الحياة، وهو ما يجب أن يبدأ التحرك من جانب الجهات الدولية المعنية، وفي مقدمتها المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بالتعذيب، والمدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، فلا يمكن بأي حال الصمت على هذه الجرائم ضد الإنسانية التي تُضاف إلى السجل الأسود لمليشيا الحوثي الإرهابية.

كلمات دالّة

#اليمن