الخميس 29-02-2024 21:01:03 م : 19 - شعبان - 1445 هـ
آخر الاخبار

التوحيد السببي (دراسة مقاصدية) (الحلقة الخامسة: بناء التفكير النهضوي.. منطلقاته، مقوماته، مساراته)

الجمعة 01 ديسمبر-كانون الأول 2023 الساعة 06 مساءً / الاصلاح نت - خاص | عبدالعزيز العسالي
 

مقدمة: المشاريع الحضارية أولا:

خلاصة الحلقة الرابعة تفعيل المنهج العلمي والمقصد هو: إصلاح وعينا الفكري وحماية هويتنا العقدية والثقافية والتاريخية والحضارية من الخطر الطائفي التدميري، غير أن الوقوف عند هذا المقصد هو الهدف المنشود للقوى المتربصة. إذن، يجب -ضرورة وفريضة- توجيه أنظارنا صوب المستقبل والتفكير بوضع ملامح أو معالم خارطة تكون بمثابة أرضية ينطلق منها تفكير الأجيال بل وتضيف إليها أفكارا جديدة مواكبة تخدم نهوض أمتنا الحضاري.

ومن نافلة القول إن الكتابات كثيرة جدا طيلة 7 عقود التي ناشدت ولا زالت تطالب بكتابة مشروع نهضوي حضاري عربي، غير أن جميع الذين انتقدوا عجز العقلية العربية وقفوا عند الانتقاد فقط.

وفي حدود علمي لا يوجد من قدم محاولة في هذا الصدد عدا المفكر حسن الترابي، رحمه الله، سمعت أنه كتب ولكن للأسف لم أعثر على مشروعه.

وحتى لا يصدق فينا المثل القائل "كلكم يبكي فمن سرق المصحف"، فقد اجتهدت -حسب فهمي وقدراتي وإمكاناتي- إخراج هذه السطور علما أن أغلبها اقتباسات أعدت توظيفها من خلال اجتراح عناوين مع إضافة فقرات قليلة.. باستثناء المحور الأخير فقد جمعت القليل من مفرداته واستلهمت تركيب وبلورة مواده من خلال قراءاتي العامة والمتعلقة بالموضوع.

أملي أن أكون قد فتحت نافذة تسمح بوصول بصيص الضوء إلى المفكرين والكتاب الأكثر بصيرة وقدرة وممارسة.

الأمر الأخير في هذه المقدمة التنويه إلى أن عملي هذا لا يتعدى حدود بناء التفكير النهضوي انطلاقا من نصوص القرآن واستلهاما لها والفكر الإسلامي.

كما لا أدعي أني استوعبت كل مجالات المشروع فضلا عن التفاصيل، فإلى صلب الموضوع.

المحور الأول، منطلقات بناء التفكير النهضوي:

انطلاقا من المفهوم القائل لكل أمة ثقافتها، فإنني سأنطلق من مقاصد الخلق كما حددها القرآن المجيد، فمن المعلوم أن مقاصد الخلق ثلاثة، أولها التوحيد، قال تعالى: "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون".. وثانيها عمارة الأرض، قال تعالى: "أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها".. وثالثها التزكية، قال تعالى: "هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم".

وبما أن العنوان العام لهذه الحلقات هو التوحيد السببي، فإنني سأبدأ بأعظم سبب وهو السبب الذي بدأ الله به وجعله طريقا إلى التوحيد، قال تعالى: "فاعلم أنه لا إله إلا الله".. هذا من جهة، كما أن هذا العلم سبب يتم الوصول بواسطته إلى كل الأسباب المعنوية والمادية من جهة ثانية، كما أن التوحيد هو الأساس الذي تنطلق منه كل المقاصد التشريعية، إذن:

1- العلم هو أول منطلقات بناء التفكير الحضاري، ذلك أننا بفضل العلم المتمثل في نصوص القرآن عرفنا أن الأخذ بالأسباب جزء لا يخرج عن التوحيد، قال تعالى: "اقرأ باسم ربك الذي خلق • خلق الإنسان من علق • اقرأ وربك الأكرم • الذي علم بالقلم • علم الإنسان ما لم يعلم".

وتأكيدا من العليم الخبير على مكانة العلم في النهوض الحضاري، نجد أن الله قد أقسم بالقلم أولا، بل وسمى سورته "سورة القلم"، قال تعالى: "ن والقلم وما يسطرون".

2- أدلة التوحيد السببي: الأدلة كثيرة بالحرف والدلالة، ويكفينا أن القرآن سبب في هدايتنا، والرسول صلى الله عليه وسلم سبب في هدايتنا، وفوق ذلك فقد أعطانا القرآن مصطلحا جامعا اكتنزت فيه كل الأسباب، والمصطلح هو مبدأ التسخير: "وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة".

3- العلم المادي: المقصود هنا العلم التجريبي المتصل بمجال الكون - ميدان الحياة الطبيعية نجد أن القرآن قد دلنا حرفيا -تحت مصطلح النظر- والمقصود بالنظر البحث العلمي التجريبي المحسوس، فمصطلح النظر متعارف عليه لغة واصطلاحا وأصوليا وماديا أنه البحث والتأمل والتجربة... إلخ. ونصوص القرآن كثيرة حرفيا ودلاليا، نكتفي بما يلي:

قال تعالى: "فلينظر الإنسان إلى طعامه • أنا صببنا الماء صبا • ثم شققنا الأرض شقا • فأنبتنا فيها حبا • وعنبا وقضبا"... إلخ.

وقال تعالى: "أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت • وإلى السماء كيف رفعت".. والاستفهام الإنكاري في هذا النص يدل أن المقصود هو النظر العلمي المادي المحسوس حيث تدرج به من الأقرب إلى الأبعد، والهدف هو الوصول إلى الدليل على وجود الخالق العظيم، قال تعالى: "وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون".

الجدير ذكره أن النصوص الداعية إلى النظر دلت على البحث العلمي ودلت على التوحيد السببي ودلت أن العقل صنو العلم، ودلت على الإيمان، ووصلت بين الإيمان والقيم العلمية.

4- العلم بقوانين حركة التاريخ:

القرآن هدانا إلى قوانين حركة التاريخ نذكر منها أربعة قوانين مضطردة لا تتغير ولا تتبدل وهي: قانون التناقص: "ننقصها من أطرافها".. وقانون التداول: "وتلك الأيام نداولها بين الناس".. وقانون التغاير أي الاختلاف: "ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم".

وقانون التدافع" وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ"

نأخذ قانون التداول فيه دلالتان - أنه قانون حتمي مفاده: لا يمكن لأي دولة تمتلك القوة تقول نحن لن تنهار حضارتنا، فالانهيار حتمي، فكم من الإمبراطوريات التي انهارت عبر التاريخ – السوفييت نموذج وقبله بريطانيا، وقبلها الدولة العثمانية، وها هو الكيان الغاصب لأولى القبلتين ملأ الدنيا ضجيجا أنه الأقوى، غير أن انكساراته بدأت.

- الدلالة الثانية مفادها: بما أن التداول حتمي بين الناس فهذا يعني أن من يمتلك مشروعا صحيحا وفق خطة مزمّنة ممرحلة فإنه قادر على لمح واقع المتغيرات أولا، وثانيا أنه قادر على التقاط الفرصة، بخلاف من لا يمتلك المشروع فهيهات.

المحور الثاني، شبكة شروط الخلاص الجماعي:

هذه الشبكة تضمنت 10 شروط اقتبستها حرفيا من المؤرخ د. عماد الدين خليل بتصرف طفيف.. أيضا د. عماد سماها شبكة الشروط الحضارية، ولا أخالفه، ولكنها تتضمن دلالة إضافية أقرب إلى عنوان الموضوع كوننا نعاني من تدين موروث رسخ مفاهيم مشوهة قتلت مقاصد التدين وهي الخلاص الجماعي.

وهذا المقصد يعتبر أحد مسارات بناء التفكير النهضوي كما هو معلوم في علم الاجتماع، وهنا نلتقي مع كلام د. عماد.

الجدير ذكره أن شبكة الشروط تنقسم إلى قسمين:

الأول الشروط الكبرى للتدين الجماعي، والقسم الثاني شروط جزئية، وكلا القسمين للدكتور عماد، فإلى الشروط الكبرى:

1- التوحيد في مواجهة الشرك.

2- العلم والمعرفة في مواجهة الأمية والظن والهوى والجهل والخرافة.

3- الدولة في مواجهة القبيلة.

4- الأمة في مواجهة العشيرة.

5- التشريع في مواجهة الآبائية والأعراف المعوجّة.

6- الإصلاح والإعمار والنظام في مواجهة التخريب والفوضى والإفساد.

7- الأخوة الإنسانية في مواجهة العنصرية والتسيد الإبليسي.

8- المبدئية في مواجهة الشخصانية.

9- تكوين الإنسان الملتزم بالقيم الإنسانية المنبثقة من العقيدة، والمتجذرة في عمق العقيدة السمحة، في مواجهة الشخص الجاهلي المتفلت المتعشق للفوضى والتسيب وكراهية النظام.

10- مؤسسة الشورى ومنظومتها القيمية في مواجهة مشاريع الطاغوت والفردية.

المحور الثالث، الوعي بتكامل الثنائيات:

هذا القسم من الشروط ذكره د. عماد تحت عنوانين مختلفين: الأول: حضارة التصالح بين الثنائيات، والعنوان الثاني: الصراع بين الثنائيات يدمر الحضارة.

ولا خلاف حول كلام د. عماد، لكن وجهة نظري أن الحضارة الإسلامية قد دخلت عليها مفاهيم لا صلة لها بحضارة الإسلام، وكانت النتيجة والآثار هي ما نعانيه اليوم من تخلف فكري وثقافي انعكس سلبا على الوعي بأهمية مقصد التوازن والتكامل بين الثنائيات، فاضطربت حياتنا بعد انسجام وتناغم، الأمر الذي يعني أن منظومة بناء التفكير النهضوي يجب أن تكون هذه الثنائيات إحدى مكوناته، وقد تمثلت الثنائيات فيما يلي:

- التوازن بين الوحي والوجود.

- الإيمان والعقل، الظاهر والباطن.

- المادة والروح.

- القدر والاختيار.

- الضرورة والجمال.

- الطبيعة والغيب.

- التراب والحركة.

- المنفعة والقيم، الفردية والجماعية، العدل والحرية.

- اليقين والتجربة، الوحدة والتنوع، الإشباع والتزهد.

- المتعة والانضباط، الثبات والتطور، الدنيا والآخرة، الأرض والسماء، الفناء والخلود.

لقد كان الوعي بمقاصد التوازن والتكامل تجسيدا لقول الله تعالى: "أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها".

 واتباعا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "إذا قامت القيامة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها".

المحور الرابع، مسارات التفكير النهضوي:

للتذكير: هذه المسارات اقتبست القليل من مفرداتها من قراءاتي المختلفة ثم قمت ببلورتها وتركيبها قبل عدة سنوات ورأيت إضافتها ضمن مكونات التفكير النهضوي تحت مفهوم مسارات.

وهذه المسارات لا شك متداخلة مع المحاور السابقة وربما فيها بعض الاختلاف، فإليها:

1- العودة إلى النظام المعرفي المفتوح على الغير كما عرفته الخبرة الحضارية الإسلامية.

2- العودة إلى الذات هوية وحضارة.

3- الجمع بين الأصالة والمعاصرة.

4- اعتماد مصادرنا المنهجية وتطويرها في تحليل الظواهر الاجتماعية والسياسية.

5- ترسيخ الوحدة الوطنية من أفق القواسم المشتركة – الرقعة الجغرافية – وثيقة المدينة نموذجا، وتجاوز الثنائيات الدخيلة، كونها وسيلة انسلاخ وتمزيق لا تخدم نهضة.

6- تفجير مكامن الطاقة والقوة – إطلاق القدرات في كل اتجاه بما يخدم التطلعات.

7- السعي الحثيث نحو ترسيخ السلام العادل نظرية وسلوكا.

8- فهم السياسة في إطار منظومة قيمنا.

9- تفعيل القواعد العادلة في التعامل الدولي.

10- تنمية القيادة الحضارية الفاعلة في إطار منهجيتنا وقيمنا الحضارية.

11- تحرير محاضن الفكر ماليا – مأسسة الوقف مجتمعيا.

12- فهم جذور الصراع العربي الصهيوني وكشف إستراتيجية الأيادي الخفية وكيفية مواجهتها وصولا إلى مرحلة الاستعصاء.

13- حضور القضية الفلسطينية في طليعة المشروع وفي ثنايا تطبيقه.

14- المرونة والمرحلية في إطار فقه الأولويات وفاعلية السنن عند معالجة الظواهر وإعادة البناء اجتماعيا وسياسيا.

تلكم هي محاولة رؤية - خطوط عريضة لمكونات بناء التفكير النهضوي، وهي بحاجة إلى إثراء أولا، وتوعية المجتمع بها سيما طلاب الثانوية والجامعات بل وتضمينها مقرر الثقافة الإسلامية.

                                                                                                       

كلمات دالّة

#اليمن