السبت 28-01-2023 13:30:54 م : 6 - رجب - 1444 هـ
آخر الاخبار

من مقاصد القرآن: فقه منظومة سنن الواقع (الحلقة 3) مؤهلات الأمة الوسط.. أسس الحكم الرشيد

الثلاثاء 24 يناير-كانون الثاني 2023 الساعة 05 مساءً / الإصلاح نت - خاص | عبد العزيز العسالي

 

أولا، تذكيرا للقارئ العزيز بالعنوان العام لهذه الحلقات، فقه منظومة سنن الواقع، وهو عنوان مقتبس من مقاصد القرآن المجيد.

وقلنا إن قيام الأمة الوسط مقصد ديني، سنني، إنساني، حضاري، جاء ليخرج إنسانية الإنسان الذي كرمه الله من الظلمات إلى النور.. أنواع الظلمات المادية والمعنوية، دنيا، وأخرى، ظلمات جحيم الشقاء الناتج عن التسلط والاستبداد والظلم والفساد والإفساد المهلك للحرث والنسل أيا كان مصدره، فرديا، أو جماعيا، سياسيا أو دينيا أو اجتماعيا، كيف لا، والله سبحانه يحدد الغاية العظمي للرسالة الخاتمة قائلا: "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين".

إذن، إن السعي لإيجاد الأمة الوسط ضرورة إنسانية بلا نزاع.

- تحدثنا في الحلقة الأولى عن مفهوم الأمة الوسط من خلال نصوص القرآن، وتحدثنا في الحلقة الثانية عن المؤهّل الأول في طريق إقامة الأمة الوسط - والمتمثل في منهج التأسّي بالرسول صلى الله عليه وسلم الذي علمنا الحكمة.

- هناك مؤهلات ضرورية كثيرة تمثل أسس بناء الأمة الوسط، ولكن الكاتب جمع المؤهلات في محاور ناظمة، وتحت كل محور فروع كي يسهل للقارئ فهمها.

ثانيا، مجتمع الرشد، والحكم الرشيد:

1- الرشد لغةً: يقال فلان رَ شَ دَ أي يمشي الطريق "الأسَدَّ"، أي الأكثر سدادا وصوابا، وسلك سبيل الرشاد، وأصاب وجهَ الأمر، وفلان يهدي إلى المراشد. (الزمخشري، أساس البلاغة، ص 232).

2- مفهوم مجتمع الرشد: حتى لا ندخل تحت طائلة المقولة الفلسفية "توضيح الواضح إضاعةٌ له"، فإننا سنتجه إلى المصدر المعصوم الميسر انطلاقا من قوله تعالى: "ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدّكِّر".

3- المؤهل المحوري الثاني: المؤهل أو الركيزة الثانية للأمة لها وجهان متداخلان، أحدهما أساس بمثابة مقدمة ضرورية تتجسد في قيم بناء مجتمع الرشد.

الوجه الثاني هو الحكم الرشيد وهو نتيجة للمقدمة، فلا حكم رشيد بلا مجتمع رشد، نعم لا حكم رشيد بلا وعي لدى الأمة لذاتها وحقوقها وأهمية ولايتها على ذاتها ووظيفة ومآلات استقلالها.

4- صميم الفكر السياسي: إذن، الحديث حول المؤهل الثاني هو في "صميم الفكر السياسي" -أسس وقيم بناء النظام السياسي- عن مصدر الشرعية السياسية الذي هو مجتمع الرشد، قال تعالى: "قد تبين الرشد من الغي".. وقال:
- "قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد".
- "إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين"، أي المؤمنين بتوجيهاته.
- "وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه".

باختصار، مجتمع الرشد هو المجتمع الواعي بكرامته وحقوقه وسنن وآليات حماية كرامته وحقوقه الواعي جيدا لفقه منظومة الواقع السنني الحاكم للاجتماع السياسي، التي تمكنه من امتلاك الشرعية السياسية.. مجتمع الرشد هو المدرك لوسائل العرف الثقافي المتجدد المولود من رحم النقد الثقافي للماضي وصولا إلى اجتراح "وسائل وآليات متجددة ترسي قيمة العدل والقيام بالقسط"، وتحاصر الظلم والطغيان والاستبداد، وتضمن سلامة الحقوق وتطلق قدرات الإنسان في ميدان متغيرات الحياة عموما والميدان السياسي خصوصا، تنفيذا لمقاصد القرآن: "وأمرهم شورى بينهم"، "وشاورهم في الأمر".. وابتكار محركات فاعلية التغيير لإقامة الأمة الوسط.

5- القرآن ينمّي العقل بتمايز الأضداد: القرآن يؤكّد أن مجتمع الرشد هو مجتمع الشورى المالك للشرعية السياسية في أموره الكبرى، بدءا من قيم بناء النظام السياسي، ومرورا باختيار وكلاء يقومون بخدمته، ولا يترك قضايا التنفيذ للوكلاء، وإنما يمارس الشورى في القضايا التنفيذية الإستراتيجية المصيرية (الحرب الإجرامية في وطننا اليمني نموذجا).

نعم، القرآن قدم تشريعا بالغ الذروة في الحجاج تنفيرا من العماية والغباء والعبثية بالأمة ومقدراتها، وترك الأمور للفردية المتسلطة المستبدة، وإليك الأدلة بمختلف صيغها الحجاجية المقنعة، قال تعالى: "وما أمر فرعون برشيد".

يا إلهي! ما هي الأفعال الإجرامية الفرعونية التي سفهها القرآن؟ لكي تصل إلى الجواب، تعال بنا إلى النص التالي:
- "إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم".

- ادّعاء الربوبية والألوهية: "أنا ربكم الأعلى"، "ما علمت لكم من إلهٍ غيري".

هذه الوقاحة المتسلطة على ما فيها من إجرام وتطاول فالقرآن جعلها نتيجة لأسوأ منها، إنها نتيجة لهشاشة عقول المجتمع الذي استمرأ العيش في مستنقع الانحطاط الكاره قيمة التكريم الإلهي للانسان، وبالتالي فلا غرابة إذا وجدنا القرآن يصف مجتمع فرعون أنه مجتمع سوء، مجتمع فاسق، كونه خرج عن آدميته فاستحق العقاب السماوي، قال تعالى: "فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين • فلما آسفونا انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين • فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين" - جعلهم عبرة للعقلاء.

بالمقابل، القرآن يثني على ملكة سبأ ها هي تشاور في قضية تنفيذية: "أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون".

ويخاطب آمرا المعصوم صلى الله عليه وسلم المعلم للحكمة قائلا: "وشاورهم في الأمر".

خلاصة ما سبق، أن مجتمع الرشد هو المالك لوسائل قيم البناء السياسي والمراقب لقيم الأداء السياسي. إذن، ذلك هو مفهوم مجتمع الرشد، وتلك هي "أبرز" مظاهر قيم الحكم الرشيد، وقد ترسخ مفهومي مجتمع الرشد والحكم الرشيد بنصوص القرآن الصريحة التي حذرت أمة محمد صلى الله عليه وسلم بأعلى صيغ الحجاج الحاسمة: "فاستخف..." إلخ.

ثالثا، قيم أخرى للحكم الرشيد:

1- استقامة القيادة والمجتمع: "فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا".

تقديم استقامة القيادة على استقامة المجتمع يعود إلى أن المقام هو مقام الرسول الموحى إليه فهو معلم الحكمة، وكذلك حول منهجية البصيرة: "قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني".

2- استشراف المستقبل، والتنمية المستدامة: إلى جانب ما ذكرنا في الحلقة الثانية نكتفي هنا بالأدلة التالية:
‐ "تزرعون سبع سنين دأبا فما حصدتم فذروه في سنبله"... إلخ.

تضمن هذا النص ثلاث دلالات بارزة هي:
- قيمة شاخصة شاهدة على الحكم الرشيد.
- قيمة اقتصادية - التنمية المستدامة.
- قيمة منهجية عقلانية سننية مهتدية بنصوص القرآن، إنها قيمة منهجية "البصيرة"، والدليل هو أن قيمة البصيرة وردت في نهاية قصة يوسف عليه السلام: "قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني" (يوسف، 108).

- وضوح الهدف والقدوة عند يوسف عليه السلام أطلق فاعلية الطاقات المجتمعية، كيف لا ويوسف عليه السلام قدم القدوة المثلى في الصدق مع المجتمع، ووضوح الهدف، ومبادرته في ترشيح نفسه للقيام بالمهمة، هنا انطلقت فاعلية طاقات المجتمع تأسيا والتزاما فاجتاز المجتمع المحنة.

3- الفاروق يستشرف المستقبل ويؤسس للتنمية المستدامة: موقف الفاروق إزاء أرض سواد العراق واضح، خلاصته أنه رفض تقسيم أرض العراق على الفاتحين قائلا للعاملين فيها -شريحة الأنباط- المستعبدة العاملة لصالح الإقطاعيين الفرس، فقال عمر للعاملين: هي لكم مقابل جزء محدد من الثمر لبيت مال المسلمين.

أبرز الدلالات للقرار الفاروقي:
- الشورى مع الصحابة طيلة 65 ليلة، فلم يستبد بالقرار واستدعى فقهاء الصحابة من الكوفة والشام.
- إرساء أسس التنمية المستدامة، حيث استدل الفاروق بقوله تعالى: "كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم".

وأضاف الفاروق أن السياق انتهى بقوله تعالى: "والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان".. قائلا للمخالفين: لماذا سيدعو المتأخرون للمتقدمين؟

لا شك أن السبب أنهم شركاء في الرزق، وأضاف، إذن، سنفعل شيئا يعود نفعه للأجيال.

‐ بناء الهوية: كانت شريحة الأنباط في نظر الإقطاعيين في أسفل درجات الاحتقار، وبمجرد تمليك الأنباط للأرض ارتفعت درجة الشعور بالذات لدى أولئك المسحوقين وهنا تم إرساء هوية الانتماء للدولة الإسلامية وترسخت الهوية أكثر لأن الفاروق قال لهم: الأرض ملك لكم، سواء اعتنقتم الإسلام أم لا.. وفي غضون ساعات تحولت أعلى نسبة مجتمعية منتمية إلى الدولة الإسلامية.

صور حضارية مشرقة:

الفقيه الحنفي "السرخْسي" في كتاب "المبسوط"، باب القضاء، قال: لو ترافع مسلم ونصراني حول طفل أمام القضاء، فادعى النصراني أن الطفل "حر كافر"، وادعى المسلم أن الطفل "عبد مسلم"، فعلى القاضي يحكم بحرية الطفل ويترك حرية اعتقاد الطفل إلى سن البلوغ.

- ابن قدامه الحنبلي في كتابه "المغني" قال: لو ادعت مجوسية القاضي المسلم قائلة: "أبي تزوجني ومات عني وجئت ألتمس عدالة الإسلام في إرثي كزوجة وإرثي كبنت في آن"، فعلى القاضي المسلم ينفذ لها دعواها ولا علاقة له بعقيدتها.

تعليقي على ما سبق:
- هكذا ترسخت هوية الانتماء للدولة بقيم العدل والحرية.
- كلما تذكرت موقف الفاروق رضي الله عنه إزاء أرض العراق حيث كان في الظاهر قد خالف "آية الغنيمة" (الخُمُسْ)، وخالف فعل الرسول، وخالف فعل الصديق بل وفعل الفاروق ذاته.

أتذكر موقف الفاروق وأقول يا ترى ماذا لو أن الفاروق حاضر بيننا اليوم وفعل ذلك الفعل هل سينجو من القتل؟ هل سينجو الفاروق من الفتاوى المبيحة لدم الفاروق، والداعية إلى إعطاء الخمس للمليشيا؟

4- عدم الركون إلى الظلمة: "ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار". هذه قيمة دينية منهجية ثقافية عملية وردت بصيغة التحريم: "ولا تركنوا".. فقط أين كان مثقفو اليمن قبل تسليم الجيش والأمن والأسلحة لعصابات مليشاوية إرهابية انقلابية. فتمسكم نار الدنيا - حروب ودمار وفساد وإفساد.. إلخ، ناهيك عن نار الآخرة، فلنا حديث عنها في الحلقة القادمة.

5 محاصرة الظلم والطغيان: قال تعالى: "لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظُلِمَ".

الاستدلال بمفهوم المخالفة واضح في الآية وأمثاله كثيرة في القرآن، نعم، الله لا يحب الجهر بالسوء من القول، لكنه سبحانه يعفو عن قول السوء من المظلوم تجاه ظالمه، والمقصود بالسوء هو الشتائم.

وهنا دلالة واضحة تطالبنا بمحاصرة الظلم ونتغاضى عن قول السوء من المظلوم.. هل بعد هذا احتجاج؟ بل إذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم يعلمنا الحكمة في مقارعة الظلم فهل معقول أنه سيخالف القرآن؟ انظروا إلى التناقض عند عُبّاد الروايات وإن كانت ضعيفة السند وكان معناها مخالف لصريح القرآن.

وفي ذات الوقت يقولون إن السنة وحي من الله، نعم، وحي، ولكن هل الوحي يتناقض؟ أليس القرآن يقول: "ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا"؟ ماذا لو كان الفاروق حاضرا ما الذي سيقوله للمغفلين الذين يحصنون الطغيان ويهدمون صريح مقاصد القرآن ويمرغون كرامة الشعوب؟

6- بناء النسيج المجتمعي: ليس أخيرا، فنحن نتحدث عن أبرز وأهم مكونات مجتمع الرشد والحكم الرشيد والتي بدورها ترسي أسس شخصية الأمة الوسط.

نعم، القبول بالاختلاف:
- "ولا يزالون مختلفين ولذلك خلقهم".. وهناك أدلة أخرى كالتعارف والتعاون... إلخ. بل يكفينا موقف الرسول صلى الله عليه وسلم في دستور المدينة، والفاروق مع الأنباط، وقصتي الطفل والمجوسية أمام القضاء حسب السرخسي وابن قدامة الآنفتين.

أكتفي بهذا القدر على أمل اللقاء في الحلقة الرابعة "الشورى وكبائر الإثم".

كلمات دالّة

#اليمن