السبت 26-11-2022 14:57:50 م : 2 - جمادي الأول - 1444 هـ
آخر الاخبار

خفايا العلاقات المشبوهة بين الإمامة والصهاينة.. كيف ساهم الإمام يحيى في تأسيس دولة اسرائيل؟

الأربعاء 28 سبتمبر-أيلول 2022 الساعة 06 مساءً / الإصلاح نت-خاص -مدين قاسم

 

 

كيف ساهم الإمام يحيى حميد الدين في تأسيس دولة إسرائيل؟ ربما قد يستغرب البعض من طرح هذا السؤال، لكن خفايا العلاقة بين الجانبين التي كُشفت مؤخرًا، توضح بما لا يدع مجالا للشك أن الإمام يحيى كان له دورا بارزا في تأسيس هذا الكيان الغاصب من خلال تهجير اليهود اليمنيين إلى دولة الاحتلال الإسرائيلي في العقد الرابع من القرن المنصرم.

حيث كشفت وثائق نشرت مؤخرا، عن التعاون والتنسيق الذي جمع بين نظام الإمام يحيى والمستعمر البريطاني في عدن، والولايات المتحدة الامريكية، وتحولت على إثره مدينة عدن إلى محطة لتجميع وتهجير يهود اليمن، وثمن الصفقة التي استلمها الإمام يحيى لتهجير اليهود إلى إسرائيل، وحصل بموجبها على مبلغ مليون دولار أمريكي، لما عرف حينها بـ(بساط الريح، أو البساط السحري) والتي نفذت نهاية الاربعينيات من القرن الماضي.

نهاية ديسمبر الماضي، كشف فيلم وثائقي بثّته قناة "يمن شباب"، تحت عنوان "اليهود والإمام" كشف خفايا العلاقة التي جمعت بين الإمام يحيى بن حميد الدين (إمام اليمن من عام 1904م وحتى 1948) ومنظمة الصهيونية العالمية، والتي عملت بالدفع بعجلة مشروع الاستيطان الصهيوني في فلسطين واحتلالها، وهجرة اليهود اليمنيين إلى دولة الاحتلال الإسرائيلي.

في ديسمبر (كانون الأول) من العام 1948 بدأت الوكالة اليهودية بترحيل يهود اليمن عبر عدة رحلات جوية، نُقِل خلالها 65 ألف يهودي يمني إلى إسرائيل. ولم تكن تلك الهجرة الأولى من نوعها لليهود اليمنيين إلى إسرائيل ولا الأخيرة، بيد أنها كانت أكبر وأهم الهجرات، لا سيما أنها جاءت في ظروفٍ سياسية معقدة إثر تداعيات حرب نكبة فلسطين.  

 

فصل جديد من التهجير

ورغم مضي سبعة عقود على أكبر عملية لتهجير اليهود من اليمن على يد الإمام يحيى، ومساهمته في تأسيس دولة الكيان الصهيوني الغاصب إلا أن ما قامت به مليشيا الحوثي نهاية آذار/مارس 2016 بعد سيطرتها على العاصمة صنعاء، يؤكد خفايا العلاقة المشبوهة بين الإمامة والمنظمات الصهيونية وأنها عادت لتلقي بظلالها على الوضع في اليمن مرة أخرى.

حيث أعلنت دولة الاحتلال الصهيوني في 21 مارس/ آذار 2016م، عن تمكنها من نقل 19 يهودياً يمنياً من اليمن إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة. وكشف الإعلان حينها عن فصل جديد من فصول مسلسل طويل بدأ برعاية المنظمات الصهيونية في القرن المنصرم لتهجير "يهود اليمن" ونقلهم إلى دولة "إسرائيل" المزعومة.

حيث ألقت العملية الاخيرة بظلالها على خفايا العلاقة بين الطرفين، خصوصا وأنها جاءت في ظل حديث عن مفاوضات سرية وغامضة عقدها الأمريكان في مسقط مع ممثلين عن مليشيا الحوثي في حينه، وذلك مع تركيز الصحافة العبرية عن كون المجموعة التي هُجَّرت هي "آخر ما تبقى من يهود اليمن الذين أبدوا رغبة في مغادرة البلاد.

ومن الملفت للنظر أن اليمن لم تشهد عمليات تهجير لليهود سوى في عهد النظام الإمامي. ومع صعود نجم الحوثيين في المشهد السياسي اليمني، بعد توقف دام أكثر من 60 عاماً من قيام الجمهورية وسقوط نظام الإمامة الكهنوتي صبيحة يوم 26 من سبتمبر/ أيلول 1962م، فقد تحولّت قضية اليهود اليمنيين إلى قضية قومية ترفض الحكومات المتعاقبة تهجيرهم، ومع ذلك استمرت المحاولات الصهيونية باستقطاب الأسر اليهودية اليمنية، لتعود وتزدهر في السنوات الأخيرة.

 

دور إسرائيل في مساندة الملكيين

ولعمق العلاقة بين دولة الإمامة واسرائيل، فقد وقفت اسرائيل مع الملكيين وقامت بمساندتهم بعد قيام ثورة 26 سبتمبر المجيدة 1962م، وفقا لما كشفته صحيفة الجو الإسرائيلي نقلا عن طيارين إسرائيليين شاركوا في مساعدة القوات الموالية لنظام الإمام البدر أثناء تصدّيها للجيش المصري الذي أرسل إلى اليمن لدعم الثورة في ستينيات القرن الماضي.

وقالت قناة الجزيرة نقلا عن الصحيفة الإسرائيلية، إن الطيران الإسرائيلي نفذ عددا من الطلعات الجوية فوق اليمن أسقط خلالها السلاح والعتاد للقوات الموالية للإمام بدر في عملية أعطيت اسم "صلصة".

وقال مراسل الجزيرة في القدس إلياس كرام إن الصحيفة كشفت قيام سلاح الجو الإسرائيلي بتنفيذ 14 طلعة جوية أسقطت خلالها الأسلحة والعتاد العسكري والأغذية والمواد الطبية لمساعدة القوات الموالية للإمام بدر -آخر أئمة اليمن- في حربه ضد الجيش المصري وقوات الثوار اليمنيين.

وكشفت الصحيفة وثائق سرية عن ذلك وصورا لبعض الطيارين الإسرائيليين، إضافة إلى نشرها صورا لبعض من أسمتهم موالين للإمام البدر وبحوزتهم السلاح الإسرائيلي.

وأثار الكشف الجديد آراء متباينة في الأوساط الإسرائيلية خصوصا لدى المحللين العسكريين، فقال المحلل العسكري لصحيفة معاريف عمير رابابورت إن العملية "مثيرة للغاية من الناحية العسكرية لا سيما أنها جرت على بعد 2200 كلم وفي مرحلة الستينيات حيث لم تكن الطائرات متطورة كما هو اليوم".

وحسب قناة الجزيرة، فأن إسرائيل رأت آنذاك أن قتال القوات المصرية في اليمن سينهك القدرة العسكرية لنظام الرئيس المصري السابق جمال عبد الناصر ما قد يسهم في إنهاك الجيش المصري ويحول دون شنه حربا على إسرائيل. مضيفا "أنه عند هذه النقطة بدأت العلاقة بين إسرائيل ونظام الإمام البدر عبر وساطة مجموعة ضباط كوماندوز بريطانيين".

 

وقوف إسرائيل ضد الجمهورية

قبل عدة سنوات، كشف الأرشيف الإسرائيلي عن تورط إسرائيل فى تقديم دعم عسكري لقوات نظام الإمام البدر في اليمن خلال حربها ضد الجيش المصري الذى أرسل إلى هناك لدعم الثورة والجمهورية في ستينيات القرن الماضي، في إطار عملية سميت بـ«عملية الصلصة».

الدعم الإسرائيلي لقوات الإماميين بدأ، عبر وساطة المخابرات البريطانية «إم آى 6»، التي كانت أحد أكبر الداعمين لنظام الإمام البدر، كما يقول المؤرخ البريطاني كليف جونز في كتابه «بريطانيا والحرب الأهلية اليمنية 1962ــ 1965».

يوضح جونز أنه «خلال ربيع وصيف عام 1963 تدهور وضع قوات الإماميين المؤيدين للملكية الذين أصبحوا محاصرين في الجيوب الجبلية دون أي منفذ بحري، بعد نجاح الجيش المصري في قطع قوافل الإمداد التي كانت تأتيهم، كما حاول سلاح الجو الملكي البريطاني تقديم مساعدات للإماميين مرة أو مرتين، لكن ذلك لم يكن كافيا».

في هذه المرحلة قررت المخابرات البريطانية تنفيذ الاتفاق الذى توصلت إليه مع المؤيدين للملكية بالحصول على مساعدات ودعم عسكري من إسرائيل. وبدأت الاتصالات بين بريطانيا وإسرائيل خلال لقاء جمع رجل المخابرات البريطانية ديفيد سمايلى والملحق العسكري الإسرائيلي في لندن دان حيرام. وزار سمايلى إسرائيل أربع مرات باسم مستعار، والتقى مدير عام وزارة الدفاع الإسرائيلية في ذلك الوقت شمعون بيريز، وقائد سلاح الجو عيزرا فايتسمان، وضباط من شعبة الاستخبارات في الجيش الإسرائيلي.

وخلال التواصل بين الجانبين، قوبل العرض البريطاني بحماس في إسرائيل، والتي رأت أن ذلك الدعم فرصة لكسر جدار الكراهية العربية، ومحاولة لإقامة أول علاقات لها مع دولة عربية، فسارع رئيس الحكومة ليفي إشكول بالموافقة عليه، وعهد إلى دافيد قارون، رئيس شعبة الشرق الأوسط في جهاز الموساد، بمهمة تنسيق الاتصالات مع الإمامين.

وبحسب الأرشيف الإسرائيلي، فإن تل أبيب حشدت لهذه العملية المسماة بـ«الصلصة»، أكبر طائرة نقل في سلاح الجو الإسرائيلي في ذلك الوقت، وهي من طراز «ستارت كروز». وبعد تدريبات استغرقت ثلاثة أشهر، وفى الحادي والثلاثين من مارس 1964 أقلعت من قاعدة تل نوف أول طائرة إسرائيلية تحمل معدات وأسلحة عسكرية وأغذية ومواد طبية. وخلال العامين التاليين أرسلت إسرائيل 13 رحلة جوية إلى اليمن، وكانت آخر رحلة في الخامس من مايو 1966.

 

صفقة بمقابل

عمل الإمام يحيى على تسهيل هجرة اليهود اليمنيين عبر البعثات اليهودية التي كانت تصل اليمن بتسهيلات منه وعبر الوكالة اليهودية في عدن، ضمن صفقة بينه وبين الصهيونية العالمية ومع حلول العام 1930م كان 20 في المئة من اليهود اليمنيين قد هاجروا إلى فلسطين.

وكشف الفيلم الذي بثته قناة "يمن شباب" من خلال عرض وثائق من الأرشيف الإسرائيلي والأمريكي ومذكرات الحاخامات اليهودية عن إقامة الإمام يحيى علاقات قوية مع الزعامات اليهودية وعلى وجه الخصوص منهم التجار، كما هو الحال مع حاخام الطائفة اليهودية اليمنية "سالم سعيد الجمل" الذي قربه الإمام منه ومنحه التصاريح لزيارة الولايات والالتقاء بمسؤليها، وعندما قرر الجمل الهجرة إلى فلسطين وجه الإمام يحيى الأمراء والتجار بسداد مديونيتهم له.

من أخطر ما كشفه الفيلم نقلاً عن الأرشيف الإسرائيلي المركزي، أن الإمام يحيى وجه نائبه في صنعاء بعدم الاعتراض لأي يهودي ينوي الهجرة إلى فلسطين أو التعرض لممتلكاتهم، ولم تكن هدايا الإمام لإسرائيل دون مقابل ووفقا للأرشيف الإسرائيلي "فإن الصهيونية العالمية أمنت له اعترافاً دولياً من (روسيا وبريطانيا وألمانيا وإيطاليا وبليجكا وهولندا) في الوقت الذي لم تعترف به الدول العربية".

لم يكن ذلك المقابل فقط وإضافة إلى ما سبق تلقى الإمام يحيى مليون دولار أمريكي ضمن صفقة سرية مع واشنطن حسب ما كشفته صحيفة هارتس.

ومن بين المكاسب التي جناها الإمام يحيى وحاشيته من هذه الصفقة منازل وأملاك اليهود الذين هاجروا حيث اشتروا أجزاء منها بثمن بخس فيما آلت إليه أخرى بلا ثمن، كما يقول الباحث اليمني "زايد جابر" الذي أشار أن الإمام يحيى ساهم بطريقة غير مباشرة بإقامة الدولة اليهودية واحتلال فلسطين من خلال رفدها بعشرات الآلاف من اليهود في ذلك الوقت.

علاقة الإمام تلك التي كشفها الوثائقي، عبّرت عن حقيقتها مراسلات بين رئيس الكيان الصهيوني "اسحاق بن زفي" ورئيس الحكومة الإسرائيلية "دافيدغورتون" بعد الاحتجاجات التي شهدتها مدينة عدن عقب إقرار الكنيسيت تقسيم فلسطين في نوفمبر 1947م، وراح ضحيتها 82 يهودي.

وكشفت المراسلات رفض الإمام يحيى الاحتجاجات العربية ضد القرار، ما يعني دعمه لليهود على حساب فلسطين، وتشير الوثائق الإسرائيلية إلى هجرة (31826) يهودياً من اليمن إلى فلسطين خلال حكم الإمام يحيى، الأمر الذي تزايد بوتيرة عالية في عهد نجله أحمد حيث قام بنقل 70% من يهود اليمن عبر عملية "بساط الريح".

وقالت "كاميليا أبو جبل" مؤلفة كتاب "يهود اليمن" عن الإمام أحمد عقب توليه الحكم "الإمام الجديد لليمن غيّر اسمه من سيف الإسلام إلى الناصر لدين الله وكان أكثر استعداداً وحماساً لفكرة استيطان يهود اليمن في فلسطين".