الأربعاء 27-10-2021 16:43:08 م : 21 - ربيع الأول - 1443 هـ
آخر الاخبار

عودة الكهنوت.. سُبُل المواجهة ثقافيا (الحلقة 2)

الأربعاء 13 أكتوبر-تشرين الأول 2021 الساعة 05 مساءً / الإصلاح نت – خاص / عبد العزيز العسالي

 

أولا، فضائل الأزمات:

القرآن زاخر باستخلاص سنن التاريخ وأهدافه المتمثلة في الاعتبار والموعظة، قال سبحانه: "وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين" (هود: 120).

تعليق حول النص الآنف:

لا شك أن النص كثيف زاخر بالمفاهيم، لكننا سنتحدث عما يتصل بموضوعنا بإيجاز.

- هذا الوعظ السماوي المقدس الصادر عن العليم الحكيم تكرر في القرآن في سياقات مختلفة، لكنها تنضوي تحت مفهوم كلي كبير هو "الاعتبار".

والمقصود بالاعتبار أن المؤمنين بالرسالة الخاتمة يجب عليهم تجنب ما يصادم سنن الاجتماع، ذلك أن مصادمة السنن الحاكمة للاجتماع عقوبتها دنيوية سريعة.

- النص الآنف ورد في سياق منظومة متكاملة انضوت تحت مصطلح قرآني محدد هو "الاستقامة".

- لقد تصدر مصطلح الاستقامة المقام الأول وتوالت الآيات كاشفة عن مكونات الاستقامة دون تفريق أو انفصال بين دين ودنيا، وتلك هي طريقة القرآن في رسم مقاصده الداعية لكل مؤمن بالرسالة الخاتمة أن يلتزم وجوبا إعمال مقاصد القرآن. قال تعالى: "فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير • ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون" (هود: 112، 113).

"وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون" (هود: 117).

- الآية الآنفة (113) قدمت أيضا مفهوما في غاية الكثافة تمثل في النهي عن الركون إلى الظلمة.

إن الركون إلى الظلمة عقوبته عاجلة في الدنيا "فتمسكم النار".. الحرب المليشاوية الإرهابية المفروضة على وطننا اليمني المهلكة للحرث والنسل نموذجا.

- عقوبة أسوأ من التي قبلها وهي أن الأمة لم ولن تجد من دون الله أولياء.

- عقوبة أسوأ وأسوأ مما سبق وهي على افتراض أن الأمة قد تجد أولياء لكنها لم ولن تنتصر حتى تصلح أخطاءها تجاه سنن الله دينا واجتماعا. وصدق الله القائل: "ألا يعلم من خلق..."، بلى وأنا وكل من فهم معارف الوحي وعلماء الاجتماع على ذلك من الشاهدين.

ثانيا، استخلاصات:
الكهنوت هدف وغاية:

في الكهنوت السلالي والذي تمثله اليوم المليشيا الانقلابية الإرهابية الحوثية نجد:

1- تاريخ الكهنوت يعج بالجرائم والطغيان والفساد المهلك للحرث والنسل، ولكن الأمة لم تعتبر، بل ركنت إلى الظالمين.

2- الكهنوت السلالي يرسم أهدافا سننية يربطها بخدمة الغايات، فالهدف والغاية متداخلان متخادمان، فالهدف هو امتهان العقول وترويضها باسم الله -زورا وبهتانا- بأن الله اختار السلالية للحكم دون غيرهم، مستندين إلى روايات تصادم القرآن ومقاصد الشريعة، "وأمرهم شورى بينهم"، "وشاورهم في الأمر".

غاية الكهنوت السلالي:

غاية ثلاثية الأخطار صنعت بطريقة فرعونية شيطانية ذات نفس ثقافي مسيحي وهي:
1- الوصول إلى الكرسي والتربع على رقاب الشعب.
2- الاستحواذ على المال باسم الخمس والزكاة على الحطب والعشب والبقرة المنفردة وخلية النحل الواحدة، وغير ذلك من وسائل الابتزاز باسم الله.

3- استعباد القلوب بدعوى دينية سموها الصلاة على الآل، كما
استعبدوا الأجساد، والاستحواذ على المال والحكم باسم السماء، امتهانا للعقول بأنها تعبد الله، وهيهات، فقد نسيت أمتنا حظا من دينها فعبدت الفرعون ولكن بخداع ديني سلالي فارسي حاقد.

ثالثا، خلاصة ثقافة الطالب الجامعي:

الطالب الجامعي إذا قُدِّر له أن يحضر درس الثقافة الإسلامية، أو أحبّ أن يذاكر مقرر الثقافة الإسلامية، ففي حالة حضور القاعة سيجد:

1- الأسلوب المستهلَك من لغة القرون الغابرة أن الشورى غير ملزمة أو هي محل خلاف، والنتيجة اهتزاز ثفافة الطالب في كلا الحالتين، فالقول "مُلزِمة" أو "محل خلاف"، فما الذي سيقفز إلى ذهن الطالب لو كانت الشورى قطعية الوجوب لن يحصل حولها خلاف.

2- فإذا سمع من المدرس أو قرأ في مقرر الثقافة أن الديمقراطية ثقافة دخيلة من بلاد الكفار، فالحل الثقافي هو تسليم الطالب لأي متحدث في المسجد أو بوسائل الإعلام أن هنالك روايات صحيحة في كتب السنة صرحت أن الحكم للسلالية، فسيكون تسليم الطالب أسرع، لأن الطالب ثقافته تجاه الروايات لا تختلف عن الثقافة الشائعة.

يعزز ذلك الموقف التالي:
4 - إذا سمع أن زعامات النظام الجمهوري العربي تسعى للتوريث فإنه سيتساءل دينيا: ما هو الحكم الديني الحاسم؟ سيجد الجواب في الروريات المكرسة للسلالية، ذلك أن الحضور الأقوى لدى الطالب هي الثقافة السطحية الشائعة في الفضاء العام وذلك هو مبلغه من العلم والفهم.

وعليه، فلا غرابة إذا كانت نتيجة الاستبيان العلمي حملت إلينا تلك الفاجعة.

إذن، باختصار، المشكلة العامة مجتمعيا وفي البيئة التعليمية هي الثقافة عموما، والقصور المعيب في الثقافة الإسلامية خصوصا.

رابعا، سُبل المواجهة:
تنمية المجتمع ثقافيا:

1- مفهوم التنمية المجتمعية من أوسع المفاهيم تشعبا وتعقيدا ولهذا حصرناه في التنمية الثقافية، ذلك أن مفهوم التنمية في الأساس لا يخرج عن كونه مدخلات ثقافية، ولكي نتمكن من إيصال الفكرة إلى ذهن القارئ نجد أنه من الضروري التذكير بمفهوم التنمية الثقافية المجتمعية بهدف تسلسل الأفكار، فنقول إن مفهوم التنمية الثقافية للمجتمع يعني إكساب الفرد قيما روحية وسلوكية بما يؤدي إلى إحداث تأثيرات عميقة وإيجابية في بناء شخصيته على كل الأصعدة عقديا وثقافيا وسياسيا واجتماعيا واقتصاديا، انطلاقا من نظام فكري وروحي وسلوكي إلهيٍ يؤكد تكريم الإنسان ومنهجيته في عمارة الأرض وصولا إلى الورثة الصالحة.

أخي القارئ الكريم، أعد النظر في المفهوم وتامّل هل التعليم عموما والثقافة الإسلامية خصوصا قد أحدثا التأثير العميق الإيجابي في شخصية المتعلم؟ هل استطاع التعليم الجامعي تكوين عقلية ثقافية ناقدة؟ ذلك أن العقلية الثقافية الناقدة بدورها ستبني المجتمع، إذن، فاقد الشيء لا يعطيه.

خامسا، التنمية المنشودة:
فضائل الأزمات:

هكذا تعمدنا وضع عنوان في صدر هذا المقال، وأردفنا ذلك ببعض نصوص القرآن، والمقصود هو جائحة الحرب الانقلابية الإرهابية على ما فيها من دمار شامل لوطننا فإنها أيقظت العقلاء فخلصوا إلى السؤال: كيف حدثت المشكلة وما العلاج؟

إذن نحن بحاجة شديدة إلى توصيف مبسط للمشكلة في إطار مفهوم جامع واضح حتى نقدم العلاج المناسب.

سحق إنسانية الإنسان:

في نظري هذا هو التوصيف المناسب الذي يستوعب كل أنواع الفساد المهلك للحرث والنسل الناجم عن انقلاب المليشيا وما خلفته من دمار شامل.

فالعقلية الظلامية، التي تقتل الشعب بأنواع الأسلحة إلى حد قصف الأبرياء أطفالا ونساء وشيوخا بصواريخ محرمة دوليا، بل وقصف مدن الجوار في المملكه العربيه السعودية،
هذا الإجرام المعتق ينبئ عن انسحاق كرامة الإنسان تماما لدى عقلية المليشيا، بل وكل الساكتين أيا كانت شهاداتهم العلمية ومواقعهم ومراتبهم الثقافية.

إن سحق إنسانية الإنسان ينضوي تحته الكثير من المفاهيم عقديا وتربويا وثقافيا واجتماعيا
وسياسيا واقتصاديا.

سبل المواجهة ثقافيا:

المواجهة عسكريا قائمة ومستمرة، وسيصل الشعب مع جيشه الوطني إلى استرجاع الشرعية والنظام الجمهوري كما انتصر الشعب اليمني بعد حرب ثماني سنوات بعد ثورة الـ26 من سبتمبر، وتكلل النصر بكسر حصار السبعين كما هو معلوم.

غير أن الحكومات المتتالية بعد تلك الانتصارات لم تقم بدورها في التنمية المجتمعية ثقافيا وخصوصا الشريحة المتعلمة فعاد الكهنوت السلالي.

منطلقات التنمية:

1- الإنسان مكرم:
يجب أن يتضمن مقرر الثقافة الإسلامية العناوين الواضحة البارزة الجاذبة للعقل والوجدان الدالّة بل والمرسّخة لإنسانية الإنسان مطلقا بعيدا عن معتقده وهويته... إلخ.

2- تقديم الأدلة الكلية من نصوص القرآن حول كرامة الإنسان بدءا من النفخة الربانية وسجود الملائكة وتعليم الأسماء وحرية الاختيار، وهدف عمارة الأرض وفقا لمنهج الله المرسوم، ومقاصد التزكية، والاستخلاف، وأن الإنسان مقدس، وأن قتل إنسان واحد هو قتل للبشرية كلها، وأن انتهاك كرامة الإنسان -حرية أو هوية أو حقوقا، هو انتهاك لحرمات الله وإفساد في الأرض، ويجب وجوبا شرعيا وإنسانيا إعادة تأهيل المدرسين والإعلاميين والخطباء وكل قادة وموجهي الرأي وصناع التنمية في ضوء هذه الأسس المقدسة.

3- منظومة القيم:
تضمن القرآن العظيم والسنة النبوية العملية والقولية منظومة القيم الكونية والتي يمكننا ذكرها على هيئة كتل كبرى على النحو التالي:

- مركزية التوحيد.
- كرامة الإنسان.
- رسالة الرحمة العالمية.
- العدل في الحكم.
القيام بالقسط مجتمعيا.
- الحرية، المساواة، ترسيخ السلام والاستقرار.
- الوسطية المرتبطة بالقيم والأخلاق.
- الإحسان، التعاون على البر، التعايش وحق الاختلاف.

4- يجب ربط هذه القيم بمقاصد الشريعة وحكمتها وربطها وترسيخ فكرة أن تعليم وفهم مقاصد الشريعة والسنن الكونية في النفس والاجتماع هو سنة النبي صلى الله عليه وسلم، بل هي وظيفة الرسول التي رسمها القرآن "ويعلمهم الكتاب والحكمة"، وأن منظومة القيم الكونية الآنفة هي محكمات الشرع التي يجب فهم سائر النصوص الشرعية -قرآنا وسنة- في ضوء هذه القيم منفردة أو مجتمعة.

ويجب عقيدة وشريعة وتدينا وسلوكا تدريب العقل على النظر في مآلات ونتائج التدين من خلال ربطه بالسنن الكونية والاجتماعية.

5- كل ما سبق يجب أن يكون حاضرا في الخطاب المسجدي، والأندية، والاتحادات، والخطاب الإعلامي وكل وسائله.

6- التحرر من الأساليب والطرق المستهلكة في البناء الفكري والثقافي، أعني التقليد للوافد أو لأخذ غير الواعي من موروثنا الفكري مع البيان الواضح لواقعنا المتغير والمختلف.

7- العودة أولا وأخيرا إلى أسس معارف الوحي ومقاصده المعصومة وهضمها في ضوء الواقع المعيش وطرق وأساليب تنزيلها على الواقع بما يخدم كرامة الإنسان فردا ومجتمعا.

التعليم الأذكى:
الصّرْعُ يستدعي الصراع

المقصود هنا إماتة السلالية العنصرية بذكاء، وذلك لكي لا ندخل في معارك ولا نسكت، وإنما انطلاقا من مفهوم التنمية الوارد أعلاه أنه إكساب الفرد، أي تلقيحه بالفكر القيمي الإسلامي الناظم لكل القيم الإنسانية حتى يكتسب مناعة ذاتية تحدث لدى المجتمع ملكة عقلية راسخة ناقدة مستندة إلى المحكمات وكليات الشرع، حتى يستعصي العقل المجتمعي رافضا الخطاب الزائف المستند إلى المتشابهات التي كانت معالجات لقضايا أعيان ظرفية، وأن التعاطي مع تلك الجزئيات هو هدم لمقاصد الشرع تماما، مع ضرب الأمثلة.

باختصار، تعليم متوازن، أي لا نطيل الوقوف تعليميا عند السلالية ولا نسكت عنها تماما، وإنما يتم تقديم مثال واحد إلى جانب أمثلة في ميادين أخرى من سنن الاجتماع.

وليس أخيرا، يجب أن تكون مدخلات التثقيف المنشود متضمنة الجوانب السياسية والاجتماعية والفكرية والتنموية، وكلها تصب في تعزيز كرامة الإنسان مطلقا، والتنمية والولاء لله والولاء للأمة واحترام إرادتها وترسيخ القيم الوطنية وحماية النسيج المجتمعي من أي عوامل التمزيق قلّت أو كثرت.

كلمات دالّة

#اليمن