السبت 24-07-2021 18:04:38 م : 14 - ذو الحجة - 1442 هـ
آخر الاخبار

التجمع اليمني للإصلاح.. دراسة في البرنامج السياسي والأدبيات (الحلقة الأولى _ظروف النشأة)

الإثنين 14 يونيو-حزيران 2021 الساعة 10 مساءً / الإصلاح نت - خاص/ عبد العزيز العسالي

 

إذا وقف القارئ على مقدمة البرنامج السياسي للتجمع اليمني للإصلاح البالغة 7 صفحات، وفصول البرنامج السياسي، سيخرج بعدد من الاستنتاجات ذات دلالات وأبعاد أبرزها:

1- أن البرنامج جاء بمثابة استخلاص لقراءة عميقة للواقع اليمني فكريا وثقافيا وتربويا واجتماعيا وسياسيا.

2- أن قراءة الواقع اليمني قد تتبعت جذور الحركة الإصلاحية خلال التاريخ الحديث لليمن وتحديدا منذ القرن الـ11 الهجري، عصر الأمير الصنعاني، وحتى فجر الثورة اليمنية وقيام النظام الجمهوري 1382هـ/ 1962م.

3- إدراك عميق لحقيقة التخلف وأسبابه التي طوحت بالمجمتع اليمني، وتجلياته في ثلاثية قاتلة- جهل.. فقر.. مرض.. ثلاثية استعصت على الحركة الإصلاحية قرابة ثلاثة قرون.

4- تحديد العلاج:
- تحدد العلاج كهدف إستراتيجي تحت مفهوم بناء البشر.
- تحديد وسيلة العلاج متمثلة في "تربية المجتمع".
- تحديد مدخلات العلاج متمثلا في العناية بالتربية والتعليم والحفاظ على هوية المجتمع عقيدة ولغة وتاريخا وثقافة.
5- الوعي ببطء العلاج لكنه أكيد المفعول.
6- التخطيط المرحلي المرن، واعتماد السلمية سلوكا وغاية.
7- نفخ روح الفاعلية التربوية في مؤسسات التربية، المسجد والمدرسة، من خلال إحياء منظومة القيم الكونية الإنسانية ومقاصد منظومة القيم الخُلقية (التزكية)، وربطها بحكمتها المقاصدية المرتكزة على رؤية معرفية هي: الله.. الكون.. الحياة.. وهذا يعني تكاملا واتساقا في الرؤية والهدف والوسيلة، وصولا إلى تحقيق مفهوم بناء البشر، وإعداد الإنسان المواطن الصالح.

تلكم هي أبرز الاستنتاجات التي يصل إليها القارئ للبرنامج السياسي للحركة الإصلاحية اليمنية- التجمع اليمني للإصلاح.

ظروف النشأة:

انطلقت الحركة الإصلاحية اليمنية في وقت مبكر وتحديدا عام 1938، حسب العزي صالح السنيدار في كتابه "طريق الحرية"، وكذلك كتاب "مصرع الابتسامة". لحميد شحرة

تجلت خطوات الحركة الإصلاحية في:
1- أول مدرسة حديثة في قضاء الحجرية بإشراف وإدارة وتعليم علي محمد نعمان، صنو المناضل الأستاذ النعمان رحمهما الله، ولكن الحاكم السلالي أصدر قرارا بإغلاقها.

2- برنامج الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والذي قدمه القاضي الزبيري رحمه الله وآخرون، تضمن ثلَة مكثفة من النصائح - نصوص قرآنية وأحاديث نبوية مشفوعة بمناشدات تكتنفها لغة أدبية ولطيفة وتم تقديمها للعماد - الإمام يحيى حميد الدين فنبذها وراء ظهره.

3- قبل برنامج الأمر بالمعروف الآنف الذكر، كانت الخطوة هي إحياء خطاب المسجد سيما في الجامع الكبير بصنعاء، والخطيب أبو طالب أستاذ القاضي الزبيري رحمهما الله، والذي كان ينوب أستاذه في حالات مختلفة، وانتهى الموقف بسجن الزبيري المصحوب بتهديد ووعيد الإمام الذي اغتر به البعض فقالوا عنه إنه أعلم أهل زمانه وأصلحهم لقيادة الوطن العربي، معللين قولهم إنه لم يصنعه الاستعمار الخارجي.. وهو تعليل بارد ناجم عن قصور ثقافي إزاء معتقدات السلالة المغموسة في ثقافة عنصرية ضاربة في أغوار الموروثات الفارسية المزدكية.

4- دستور 1948 تحت إمضاء فقهاء اليمن في تلك الحقبة ومعهم شخصيات قبلية.

5- رغم الروح السلمية لحركة الإصلاح اليمنية الدستورية المتربصة بموت الإمام يحيى، لكن المؤسف هو مقتل الإمام يحيى بسبب توقيع أحد فقهاء المذهب الهادوي الذي يجيز الخروج على الظالم بالسلاح، والنتيجة كانت إجهاض الحركة الإصلاحية اليمنية، حيث ولي العهد أحمد ياجناه أعدم ما يزيد على 48 شخصية بريئة سلمية.

كما سيق العشرات من رجالات الحركة الإصلاحية وسط نعيق (دردحة بلغة صنعاء يومها)، وهذا الأسلوب القذر فعله ولي العهد عمدا ضد رجال الإصلاح السلمي قبل أن يسوقهم إلى السجون تحت سيل من شتائم سكان صنعاء، والذين لم يكتفوا بالشتائم والتكفير واللعن، وإنما رموا رجالات الإصلاح بالأوساخ، حسب المؤرخ القاضي الشماحي رحمه الله، والذي سقطت الأوساخ على صدره ومعه لفيف.

6- تلتها ثورة 1955 السلمية بقيادة شقيق الملك أحمد ياجناه.. ولكن الأخير استدرج العسكر إلى إطلاق النار وانتهت الثورة بإعدام وسجن العديد من المصلحين.

7- ثورة الـ26 من سبتمبر 1962، والتي جاءت بالنظام الجمهوري ودخلت في نفق مظلم طيلة 8 سنوات بسبب الصراعات الإقليمية.

الحركة الإصلاحية في عهد الجمهورية:

تذييلا لما سبق إيجازه حول مسيرة الحركة الإصلاحية، يمكننا القول إن الحركة الإصلاحية قد استوعبت الماضي بوعي راشد.

التعقيدات الجديدة:

حضر النظام الجمهوري وبطبيعة الحال رافقته مستجدات فكرية وثقافية وافدة من الخارج أدت إلى انقسام النخبة حينها إلى اتجاهات فكرية يسارية وعلمانية وليبرالية متصارعة متناحرة، فالكل يحمل تصوراته الفكرية والثقافية والسياسية متعصبا لها مدعيا أنها العلاج الوحيد للواقع اليمني.

أيا كانت النسبة الإيجابية لتلك التصورات، فلسنا بصدد مناقشتها، وما نريد إيضاحه هو أن تلكم التصورات رافقها أسلوب مستفز للهوية اليمنية عقيدة وتاريخا وحضارة.

غير أن الحركة الإصلاحية كانت قد حددت هدفها ووسيلة تحقيقه بالأسلوب السلمي التالي:

1- الإصلاح الدستوري المنبثق من هوية الشعب وحضارته.
2- نجحت الحركة الإصلاحية في صياغة الإصلاح الدستوري بما يتسق وهوية الشعب.
3- العين على الهدف:
كانت عين الحركة عند الهدف - بناء البشر.. ولكن وسط أعاصير ثقافة وافدة ملونة شقت الحركة طريقها ببطء وصولا إلى إصلاح المنهج التربوي اتساقا مع مضمون الدستور.

العلمانية المستبدة:

العلمانية الداعية إلى الحرية انكشفت سوأتها دستوريا فصادرت الحريات وإرادة الشعب العربي وقمعته بقوة الحديد سجنا وتشريدا وإعدامات سياسية.

باختصار، كانت الحرية عند العلمانية العربية هي حرية الاستبداد السياسي المتربص بهوية الشعب وقيمه.

انعكست هذه الثقافة على الدستور اليمني الذي حرم الحزبية كغيره من الدساتير العلمانية.

كانت الحركة الإصلاحية على دراية ووعي بمكانة الحرية وأهميتها كونها سنة من السنن الحاكمة للاجتماع، لكن إكراهات الواقع المتعددة المسارات داخليا وخارجيا جعلت الحركة الإصلاحية تعيش في ظل الدستور مستفيدة من الجانب السلبي المتمثل في تحريم الحزبية، فاتجهت للبناء وترسيخ الهوية والقيم الخلقية والاجتماعية والأعراف السليمة قدر المستطاع.

تهيأت الظروف نسبيا لانخراط رجالات الحركة الإصلاحية في المناصب الوزارية لكنها آثرت السير في طريق البناء المجتمعي من خلال الوسائل والميادين المتاحة يومها، غير عابئة بالمناصب وفقا للهدف والطريق المرسوم بأولوياته المرنة تحت شعار "فاتقوا الله ما استطعتم"، واستحضار المفهوم القاسي القائل "بطيء لكنه أكيد المفعول".

لا ندعي أن الحركة الإصلاحية لم تقع في أخطاء، ولم نقل إنها التقطت الفرص كلها، بل هناك تعثرات وقصور وهناك إكراهات واقع يقابلها اجتهادات وفق الإمكانات المتاحة، وهذا يتسق مع المفهوم الإداري "من يفعل يخطئ".

باختصار، لم تفشل الحركة الإصلاحية في تحقيق هدف بناء المجتمع وإنما نجحت بنسب متفاوتة، ونجحت في التمسك بالنضال السلمي والتعايش مع الآخر، كما سنوضحه في الحلقات القادمة.

السؤال: الهدف الذي رسمته الحركة الإصلاحية هل تحقق؟ ما النسبة؟ إجابة هذا السؤال ستكون موضوع الحلقة الثانية.. نلتقي بعونه سبحانه.

كلمات دالّة

#اليمن #حزب_الإصلاح