الجمعة 14-05-2021 16:23:22 م : 2 - شوال - 1442 هـ
آخر الاخبار

مسلسل التصفيات في أوساط مليشيا الحوثي.. الأسباب والمآلات

الأربعاء 14 إبريل-نيسان 2021 الساعة 11 مساءً / الإصلاح نت-خاص-عبد الرحمن أمين

 

حالة من الريبة والقلق تعيشها جماعة الحوثي الانقلابية، وفقدان للثقة بين أفرادها وتوجس مريب في أوساط نافذيها، وتهم متبادلة بين قياداتها، جراء استمرار التصفيات البينية وحالات الموت والقتل التي تحدث هنا أو هناك وبشكل متكرر للكثير من قياداتها البارزين والتي عادة ما يلفها الغموض.

غير أنه لا يفوت الجماعة الحوثية الكثير من الفرص التي تستغلها وتوظفها لإخفاء الكثير من معالم الجرائم والتصفيات الداخلية بحق العديد من قياداتها الأمنية والعسكرية والسياسية والقبلية لأسباب لا يعلمها إلا الله والراسخون في العلم بشؤون هذه الجماعة الإرهابية وأسرارها وتفاصيلها، إذ تعمد الجماعة عادة إلى إضفاء صبغة أخرى لكل جريمة لإخراجها عن مسارها الحقيقي وخلط الأوراق وتمييع الحقائق، إذ عادة ما تبادر الجماعة بعد فراغها من تنفيذها لكل حادثة وواقعة إلى توظيفها وبما يخدم أغراضها وأهدافها ويتماشى مع سياستها ويعفيها من المساءلة.

الغارات التي تشنها مقاتلات التحالف واحدة من الذرائع التي تتستر خلفها الجماعة، حيث تلجأ لإلصاق التهم بتلك الغارات سعيا منها لإخفاء معالم الكثير من الاغتيالات والتصفيات التي تحدث بحق الكثير من القيادات الموالية للجماعة أو العاملة في صفوفها.

فيروس كورونا شماعة أخرى استغلتها الجماعة للتغطية على الكثير من جرائمها، وأدرجت ضمن قوائم ضحاياه العديد من القيادات الذين تم التخلص منهم ليتم إعلان وفاتهم بسبب هذا الفيروس.

مؤخرا طفا على السطح مع العديد من علامات الاستفهام والتساؤلات نبأ موت القيادي في الجماعة "سلطان زابن" بحسب رواية الجماعة، والذي كان يعمل مديرا للبحث الجنائي في صنعاء والمسؤول عن اختطاف المئات من النساء وتغييبهن في السجون.

فالخبر وإن حمل البشرى للكثير من اليمنيين خصوصا الذين تعرضوا للانتهاكات والظلم والمعاناة على يديه، إلا أنه أثار الكثير من التساؤلات عن طبيعة موته والنهاية التي آل إليها.

ورغم إسراع جماعته بالإعلان عن وفاته وإصدار بيان النعي، إلا أن بيانها حمل المزيد من الضبابية والغموض حول ملابسات وفاته، حيث لم تذكر الجماعة سببا مقنعا لوفاته واكتفت بالإشارة إلى "مرض عضال ألم به"، الأمر الذي خلق شكوكا كثيرة حول هذه الرواية.

فبعد وفاة "زابن" بساعات بادر القيادي الحوثي والمتحدث باسم وزارة الصحة التابعة للمليشيا "يوسف الحاضري" بالمطالبة بتشريح جثث القيادات الرفيعة التي أعلن وفاتها مؤخرا في صنعاء فجأة، مستبعدا أن تكون أسباب وفاة القيادات الحوثية مطابقة للروايات المذكورة من قبل الجهات الرسمية أو ناجمة عن انتشار كورونا، مضيفا أنه يجب التحقيق لمعرفة الأسباب الحقيقية للوفاة، فالموضوع كما يقول "أكبر من مجرد فيروس تجاوزه اليمنيون"، مطالبا ما سماه جهاز الاستخبارات بمتابعة الوضع وتتبع الخيوط المشاركة في مثل هكذا جرائم.

أما المشرف الحوثي سلطان جحاف فيذهب لتحميل الحاكم العسكري الإيراني "حسن إيرلو" مسؤولية مقتل سلطان زابن، ويقول في تغريدة له: "‏‎كورونا أصبحت عذرا فقط، قياداتنا يتعرضون للطعنات والغدر"، مضيفا: "هناك اختراق ولوبي شغال للتصفيات، ونحمل المسؤول الأول عن الوضع في صنعاء القيادات الأمنية التي تتلقى أوامرها من قيادات محور المقاومة مسؤولية ما يحدث".

ويكشف جحاف عن سر حدث في لقاء أمني حضره إيرلو، حيث يقول إنه وخلال الاجتماع واللقاء الأمني الأخير مع السفير إيرلو "كان مركزا على استفزاز العميد سلطان زابن".

نبأ وفاة القيادي الحوثي "سلطان زابن" تلاه نبأ وفاة شخصية حوثية أخرى على صلة بالموضوع وعلى علاقة بملف اختطاف النساء وسجنهن وتعذيبهن وفي زمن وجيز، فلم تكد تمضي 24 ساعة حتى أعلنت الجماعة وفاة الملازم "أفراح الحرازي" التي كانت تعمل مديرة لسجن النساء، والتي كلفها القيادي "زابن" بالكثير من المهام القذرة كإلصاق التهم اللاأخلاقية بالنساء واختطافهن وسجنهن وتعذيبهن، إذ لم توضح الجماعة سبب وفاتها، في الوقت الذي تكشف بعض المصادر أن الحرازي اختفت قرابة أسبوع قبل أن يتم وضعها في المستشفى في غيبوبة تامة فارقت بعدها الحياة.

فالشخصيتان وإن كانا العبد المأمور والخادم المطيع واليد الطولى للجماعة إلا أنهما يعدان صندوقا أسود للكثير من الملفات الحساسة، والمعلومات الأكثر خطورة، خصوصا مع توارد أنباء عن تحركات لتقديم ملفات تدين الجماعة بارتكاب فضائع وأعمال إرهابية، وليس من المستبعد أن تكون الجماعة قد عمدت إلى التخلص منهما كمحاولة لدفن المزيد من الأسرار والمعلومات المتعلقة بملف سجون النساء السرية خاصة مع تواتر معلومات تؤكد قيام القيادي "زابن" بانتهاكات جنسية بحق الكثير من السجينات داخل السجون والمعتقلات السرية، الأمر الذي سيكون له تداعياته الخطيرة على مستقبل الجماعة.

وغالبا ما تؤول حياة مثل هذه الشخصيات وبمناصب ومهام كهذه إلى نفس المصير على يد أجهزة المخابرات التي تقف وراءها، فمنذ وصول الحاكم العسكري الإيراني "حسن إيرلو" إلى صنعاء تحت غطاء سفير لدى الحوثيين نهاية العام الماضي 2020، وقعت الكثير من التحولات والأحداث وبشكل ملفت، إذ قضت العديد من القيادات الحوثية نحبها في ظروف تعتريها الشكوك ويلفها الغموض.

وفي الوقت الذي يدور فيه اللغط عن طبيعة موت "زابن" و"الحرازي"، ما زالت الشكوك تساور الكثير من المراقبين والعديد من قيادات وأفراد الجماعة نفسها عن حقيقة وفاة القيادي "زكريا الشامي" ومصير والده اللواء "يحيى الشامي"، إذ لم تستبعد مصادر مطلعة على خلفية الصراع بين أجنحة المليشيا قيام جناح صعدة بتصفية الشامي أثناء وجوده في المستشفى مستغلين إصابته بكورونا، فالمليشيا لم تبادر على الفور إلى الاعتراف الرسمي بموت الشامي، وهو ما أثار العديد من الشكوك حول طبيعة وفاته والملابسات التي رافقتها.

هذه الأحداث لم تكن هي الأولى من نوعها في أوساط الجماعة، فقد سبقتها أحداث مماثلة منذ انقلاب المليشيا وإحكام سيطرتها على معظم محافظات البلاد، حيث طال مسلسل التصفيات والاغتيالات قيادات بارزة من الصف الأول كان أبرزهم أحمد شرف الدين، وعبد الكريم جدبان، ومحمد المتوكل، والمرتضى المحطوري وحسن زيد.

غير أن أكثرها غموضا هو خبر مقتل شقيق زعيم الجماعة "عبد الملك الحوثي" القيادي "إبراهيم الحوثي" في العام 2019، حيث وجد مقتولا في إحدى الشقق بمدينة صنعاء في ظروف غامضة، ويرجح مراقبون أن يكون القيادي الحوثي قد قتل ضمن التصفيات البينية للجماعة، إذ لم تدلِ الجماعة بأي تفاصيل أو معلومات حول مقتله، واكتفت بتوجيه التهمة لـ"أيادي الغدر والخيانة التابعة لأمريكا وإسرائيل وأدواتها"، على حد وصف البيان الصادر عن الجماعة.

ولم يتطرق معظم قادة المليشيا إلى الحادثة، غير أن حسن زيد وزير الشباب في حكومة الحوثيين آنذاك قال في منشور له على فيسبوك إنه مُنع من نعي إبراهيم الحوثي والتعزية فيه، في إشارة إلى التكتم الشديد الذي فرضته جماعة الحوثي على ملابسات عملية الاغتيال.

القيادي والوزير "حسن زيد" وبعد أن أدلى بذلك التصريح بأشهر معدودة تحول هو الآخر إلى قصة بمفرده، وتحولت واقعة مقتله إلى قضية لا يمكن تجاوزها بما خلفته من تساؤلات وآثار بارزة على الجريمة تكشف وبما لا يدع مجالا للشك عن هوية القتلة والجهة التي تقف وراء تلك الواقعة. فالرجل وإن لم يكن على رأس مهمة أمنية حساسة أو شخصية اعتبارية على مستوى المنافسة إلا إنه كان يمثل ظاهرة صوتية صاخبة ومصدر إزعاج للقيادات العليا ومن يقف وراءها من خلال أطروحاته وآرائه المثيرة للجدل، ليتم اتخاذ القرار بقطع هذا الصوت وإسكاته إلى الأبد.

الخلافات والصراعات بين أجنحة وأقطاب وقادة جماعة الحوثي مركبة ومعقدة ومتداخلة، ونتائجها الكارثية وإن لم تخرج دفعة واحدة للعلن إلا أنها مؤجلة لم يحن وقتها بعد، إذ ستزعزع ثقة قيادات مليشيا الحوثي ببعضها، وسيقلل مختلف قادة المليشيا من تحركاتهم وتكثيف الحراسات الشخصية والاستعداد لكل الاحتمالات، بالإضافة إلى تربصهم ببعضهم، مما ينذر بانفراط عقد الجماعة وتفككها.

وتأتي عمليات التصفيات هذه نتيجة لعدة أسباب يمكن للمتابع لشأن هذه الجماعة قراءتها واستخلاصها، لعل أهمها الصراع على النفوذ المستشري في أوساط الجماعة، إذ يرى كل طرف من الأطراف النافذة في الجماعة أحقيته بالنفوذ إما للجهد الذي يبذله ولاء للحركة الحوثية، أو لأحقيته بالنفوذ والصدارة نظرا لنسب أسرته التي يرى فيها الامتياز والأفضلية على بقية الأسر، وصعود بعض القيادات وتمكنها في أوساط المليشيا من وجهة نظر تلك الأطراف يقلص من نفوذها ويحد من صلاحياتها داخل الجماعة، وتشير معلومات مؤكدة إلى حرص زعيم المليشيا عبد الملك الحوثي على أن يظل هو الممسك الوحيد بالجماعة واحتكار قيادتها، وتحسسه الشديد من صعود أي شخص منافس له ولو كان من إخوانه أو أبناء عمومته.

الصراع على الجبايات والأموال المنهوبة سبب آخر من أسباب الصراعات الداخلية للمليشيا، إذ تحولت البلاد إلى ساحة مكتظة بالتنافس المحموم على نهب ثروات البلاد وإيراداتها، وكذلك التوجس والريبة من بعض القيادات الهامة المنضوية في صفوف المليشيا والتشكيك في نواياها ومدى إخلاصها للجماعة، أضف إلى ذلك سعي الجماعة للتخلص من أحمالها الثقيلة وملفاتها المليئة بالفضائع والجرائم والفساد من خلال التخلص والتصفيات لبعض القيادات المسؤولة عن تلك الجرائم والتي باتت تشكل عبئا وقلقا مزمنا للجماعة، لا سيما مع تصاعد إدانات بعض المنظمات والجمعيات الحقوقية لتلك الجرائم.