الإثنين 05-10-2026 16:11:04 م : 23 - ربيع الثاني - 1448 هـ
آخر الاخبار

بين الكلمة والجبهة.. تضحيات الإصلاح في مواجهة الانقلاب والحرب

السبت 12 سبتمبر-أيلول 2026 الساعة 10 مساءً / الإصلاح نت – خاص

 

 

منذ انقلاب مليشيا الحوثي على مؤسسات الدولة، دفع سياسيون ومدنيون ومقاتلون من التجمع اليمني للإصلاح أثمانًا متفاوتة لمواقفهم، شملت الاختطاف والإخفاء القسري والاغتيال والنزوح والإصابة والاستشهاد في الجبهات والوفاة في المعتقلات.

وتوزعت هذه الوقائع بين إب ومأرب والمحويت والحديدة وعدن والضالع وشبوة وريمة والجوف والبيضاء، وطالت سياسيين ومحامين وتربويين وإعلاميين وشخصيات اجتماعية، إلى جانب قيادات ومقاتلين شاركوا في مقاومة الحوثيين ضمن صفوف المقاومة الشعبية والجيش الوطني.

يستعرض هذا التقرير نماذج من تلك التضحيات، ويوثق انتقال عدد من قيادات الإصلاح وكوادره من العمل السياسي والمدني إلى مقاومة الانقلاب، وما تحملته أسر الشهداء والجرحى والمختطفين والمخفيين قسرًا خلال سنوات الحرب.

 

ثمن الموقف

مع انقلاب مليشيا الحوثي على مؤسسات الدولة وتوسعها العسكري، أصبح الانحياز السياسي للجمهورية والعمل الحزبي المعارض للجماعة سببًا مباشرًا للملاحقة والاختطاف والاعتداء في مناطق عديدة.

وكان التجمع اليمني للإصلاح من القوى السياسية التي أعلنت رفضها للانقلاب وتمسكت بخيار الدولة والعمل السياسي، الأمر الذي جعل أعضاءه وقياداته عرضة للاستهداف في عدد من المحافظات.

وتظهر طبيعة هذا الاستهداف في الوقائع التي وثقتها مصادر متعددة بشأن اختطاف قيادات إصلاحية خلال الأسابيع الأولى من عام 2015، إذ تحولت عمليات الاحتجاز إلى نمط متكرر طال شخصيات سياسية وناشطين وأعضاء في الحزب. وأورد الإصلاح في توثيق له أن العشرات من قياداته وأعضائه تعرضوا للاختطاف خلال تلك الفترة.

وامتد الثمن إلى استهداف المقرات والممتلكات وإجبار كوادر على مغادرة مناطقهم. ففي محافظة عدن، تعرضت مقرات الإصلاح للاقتحام والحرق والتفجير، كما تعرض عدد من قياداته لمحاولات اغتيال وعمليات قتل، وهو ما وثقه الحزب في سرديته عن مرحلة ما بعد تحرير المدينة من الحوثيين.

وبذلك، أصبح الموقف السياسي نفسه مصدر خطر، وتحولت ممارسة العمل الحزبي والمدني إلى فعل محفوف بالمخاطر. فالسياسي الذي كان يمارس دوره في الحوار، والصحفي الذي يوثق الأحداث، والقيادي المحلي الذي يعمل في مجتمعه، أصبحوا جميعًا في دائرة الاستهداف.

وتكمن أهمية قراءة هذه التضحيات في ارتباطها بمواقف وطنية وسياسية؛ إذ بدأت في بعض الحالات من الكلمة والموقف والرفض السياسي، ثم امتدت إلى السجن والاختفاء والاغتيال والنزوح، ووصلت في حالات أخرى إلى ساحات القتال.

 

في سبيل استعادة الدولة

انتقل عدد كبير من كوادر الإصلاح إلى ميادين المواجهة، وشاركوا في المقاومة الشعبية والجيش الوطني في محافظات مختلفة. وفي هذه الجبهات، سقط قياديون وأعضاء، وأصيب آخرون، وتحولت أجساد الجرحى إلى سجل حي لسنوات الحرب.

ويمثل أحمد باحاج، ابن محافظة شبوة، نموذجًا واضحًا لهذا الانتقال من المسؤولية السياسية إلى الميدان. فقد كان محافظًا لشبوة وقياديًا إصلاحيًا، وقاد إحدى جبهات المقاومة الشعبية لتحرير المحافظة، قبل أن يستشهد في 23 مايو 2015. وتوثق مصادر الإصلاح مشاركته في قيادة المقاومة خلال المواجهات التي أعقبت سيطرة الحوثيين على عاصمة المحافظة.

وفي ريمة، يبرز أحمد حميد الذارعي، عضو المكتب التنفيذي للإصلاح في المحافظة، الذي استشهد في نوفمبر 2019 بعد فترة من المرابطة في جبهة نهم، وفق بيان نعي صادر عن إصلاح ريمة. ويكشف مساره أن بعض الشخصيات الحزبية انتقلت من العمل التنظيمي إلى المشاركة المباشرة في النضال المسلح دفاعًا عن مكتسبات الثورة والجمهورية.

وفي مأرب، كان عوض بن صالح بن معيلي نموذجًا آخر؛ إذ كان عضوًا في شورى إصلاح المحافظة، وشارك في معارك الدفاع عن مأرب والجمهورية، قبل أن يستشهد في نوفمبر 2021. وأكد بيان نعي إصلاح مأرب صفته القيادية والحزبية ودوره في جبهات القتال.

كما تظهر تضحيات واسعة في الجوف، حيث وثقت مصادر الإصلاح أسماء عدد من أعضاء المكتب التنفيذي الذين قُتلوا في مواجهة الحوثيين، وكانوا يشغلون مسؤوليات في الدوائر السياسية والإعلامية والاجتماعية والتعليمية والانتخابية والنقابية والصحية. ومن بينهم عبدالله محمد شيحاط، وناجي مصلح نسم، وأحمد محسن نجدة، ومحسن عبيد الشاوي، وخالد محسن الهدي، وعبدالله محسن عسكر، وغيرهم.

ويكمل الجرحى صورة هذه التضحيات؛ فقد أصيب مقاتلون وقيادات في جبهات متعددة، وحمل بعضهم إصابات دائمة غيّرت تفاصيل حياتهم. ومن ثم، يشمل تقدير التضحيات من عادوا من المعارك وهم يحملون آثارها على أجسادهم، وأسر الذين استشهدوا أو أصيبوا أو ظلوا في المعتقلات.

 

مدنيون في قلب المعركة

تظهر تجربة الإصلاح خلال سنوات الحرب اتساع التضحية لتشمل شخصيات عملت في القانون والسياسة والتعليم والدعوة والعمل الاجتماعي، قبل أن تدفعها الظروف إلى مواجهة أخطار بعيدة عن طبيعة وظائفها الأصلية.

وفي عدن، حيث تشكلت المقاومة الشعبية ضد الانقلاب الحوثي منذ لحظة الاجتياح، كان الإصلاحيون حاضرين في مختلف جبهات القتال. وشارك قادة الإصلاح وشبابه، إلى جانب بقية أبناء عدن، في مواجهة القوات الحوثية.

وكان من بينهم القيادي جلال مقبل الرعدي، رئيس فرع الإصلاح في مديرية دار سعد، الذي استشهد وهو يقود جبهة الفيروز شمال عدن. كما كان الطبيب المقاوم الدكتور نزار بامحسون، القيادي في إصلاح عدن، في طليعة المشاركين في التحرير.

وتحضر في هذا السياق مجموعة من القادة والشهداء، منهم أحمد الدجح، ومحمد ثابت، وأحمد سهيل، وعوض اليافعي، وعبدالرحمن العمال، ابن عدن الذي استشهد في إحدى جبهات مأرب، وغيرهم.

وبعد تحرير عدن، مثّل القيادي صالح بن حليس نموذجًا لشخصية جمعت بين النشاط السياسي والدعوي والاجتماعي. فقد كان قياديًا بارزًا في إصلاح عدن، ورئيسًا لدائرته القضائية، وإمامًا وخطيبًا لمسجد الرضا في المنصورة، قبل أن يغتاله مسلحون مجهولون في 15 أغسطس 2016. وقد نعت الأمانة العامة للإصلاح بن حليس بوصفه عضوًا في شورى الحزب في عدن.

وتواصلت الاغتيالات في عدن بحق شخصيات إصلاحية ومدنية، وصولًا إلى اغتيال الدكتور عبدالرحمن الشاعر في 25 أبريل 2026. وكان الشاعر قياديًا في الإصلاح ورئيس مجلس إدارة مدارس النورس الأهلية، واغتيل في مديرية المنصورة أثناء توجهه إلى المدرسة لحضور فعالية علمية للطلاب.

وأعلنت السلطات لاحقًا القبض على عدد من المتهمين الرئيسيين في القضية، فيما دعت بعثات غربية إلى التحقيق ومحاسبة المسؤولين.

وفي محافظة إب، تعكس قصة القيادي أمين ناجي الرجوي جانبًا بالغ القسوة من استهداف الشخصيات المدنية والسياسية. فقد كان رئيس الدائرة السياسية للإصلاح في المحافظة، واختطف في أبريل 2015، ثم لقي حتفه في 21 مايو من العام نفسه، بعد وضعه مع مختطفين آخرين في موقع بمحافظة ذمار تعرض لغارة جوية. ووثقت مصادر عدة هذه الواقعة، مع اختلافها في بعض تفاصيل عملية الاختطاف والمكان الدقيق للاحتجاز.

وتؤكد هذه النماذج أن دائرة الخطر شملت السياسي والمحامي والتربوي والخطيب والإعلامي، وأن مواقعهم المدنية لم توفر لهم الحماية من تداعيات الصراع، وتحولت في بعض الحالات إلى سبب للاستهداف.

 

خريطة واسعة للتضحيات

تكشف القصص الفردية جوانب من تجربة التضحية، فيما يوضح توزيعها الجغرافي اتساع الظاهرة وتنوع صورها.

ففي إب، شملت الخسائر قيادات وكوادر، من بينهم نايف الجماعي، ومحمد الشامي، ومنصور علي سيف، وبشير شحرة، وفهد محسن الحاشدي، وفق توثيقات الإصلاح عن تضحيات كوادر المحافظة.

وكان نايف الجماعي من أبرز القيادات الشابة المرتبطة بالمقاومة في إب، واستشهد في نوفمبر 2015 خلال معارك دمت بمحافظة الضالع، وكان قياديًا في المقاومة وعضوًا بارزًا في حزب الإصلاح.

وفي الجوف، يكشف تنوع المسؤوليات التي كان يتولاها أعضاء المكتب التنفيذي الذين استشهدوا عن مستوى الخسارة التي لحقت بالبنية السياسية والمدنية للحزب، فقد شملت مسؤولين في الإعلام والثقافة والسياسة والتعليم والانتخابات والنقابات والخدمات والصحة.

وفي شبوة، استشهدت قيادات أخرى إلى جانب أحمد باحاج، من بينها فضل التومي القميشي، رئيس إصلاح شبوة.

وفي الضالع، شارك الإصلاحيون، قيادات وأعضاء، في مقاومة الانقلاب الحوثي، وانتقلوا بين جبهات القتال في المحافظة. وكان في مقدمة من استشهدوا القيادي محمد مسعد العقلة، رئيس المكتب القانوني لإصلاح الضالع، والعميد نصر الربية، قائد مقاومة دمت ومريس، والشيخ علي الماطري، أحد قيادات الإصلاح في مديرية دمت، والشيخ صالح مسعد ريشان، وغيرهم.

وشهدت الضالع بعد ذلك موجة اغتيالات طالت عددًا من الشخصيات الإصلاحية، من بينها القيادي والصحفي زكي السقلدي، والقيادي خالد غيمان، والقيادي عبدالرقيب قزيع، إلى جانب مجموعة من القيادات الإصلاحية الفاعلة في المحافظة.

وفي الحديدة، شملت الخسائر قيادات مثل محمد أبو زيد، ومحمد الحشيبري، وعلي العمار، وأبكر برخلي، وأحمد حاج، وعبدالسلام الشميري، وإبراهيم علي عياش.

كما وثقت المصادر في محافظة البيضاء أسماء قيادات إصلاحية استشهدت في المواجهات، مثل عبدالقادر الحميقاني، وصالح الفقير، وعبدالله السلالي، ومحمد سالم الصومعي، وآخرين.

وفي المحويت، لبّى المحامي محمد الصياد، رئيس الدائرة القانونية في إصلاح المحافظة، نداء الواجب، واستشهد في فبراير 2017 أثناء مقاومة الحوثيين عند مدخل مدينة مأرب. ويقدم الصياد نموذجًا للقيادي القانوني الذي انتهت حياته في الميدان بعدما تجاوزت الحرب حدود العمل السياسي والقانوني إلى المواجهة المباشرة.

وهكذا تمتد خريطة التضحيات من الشمال إلى الجنوب، وفي القرى والمدن والجبهات، وتتنوع صورها بين الاغتيال والاختطاف والوفاة في المعتقل والاستشهاد في المعركة والإصابة والنزوح والملاحقة. وبين اختلاف الأماكن والظروف، تبرز قصة كوادر دفعت أثمانًا متفاوتة خلال مرحلة قاسية من تاريخ اليمن.

 

من طاولة الحوار إلى الزنازين

يأتي اسم الأستاذ محمد قحطان في مقدمة النماذج التي تختصر معنى التضحية السياسية والنضال الوطني في صفوف الإصلاح. فقد كان من الوجوه السياسية الفاعلة في المشهد اليمني، وبرز خصوصًا في العمل المشترك بين القوى السياسية، وعُرف بخطابه السياسي ودوره في الحوار ومحاولاته تقريب وجهات النظر بين مختلف الأطراف.

واتخذت مسيرة قحطان منعطفًا مأساويًا مع اختطافه في أبريل 2015 على يد مليشيا الحوثي، بعد فترة من التضييق والإقامة الجبرية. وانقطعت أخباره، وبدأ فصل طويل من الإخفاء القسري امتد لأكثر من عقد، بينما ظلت أسرته تنتظر معرفة مصيره.

وتحول قحطان من سياسي يمارس دوره في قاعات الحوار إلى رمز لقضية المختطفين والمخفيين قسرًا، وأصبح اسمه حاضرًا في المحطات المتصلة بالعدالة والحرية وحقوق المحتجزين.

وفي عام 2026، عادت قضيته إلى الواجهة بعد تطورات مرتبطة برفات قيل إنها تعود إليه، وسط مطالبات بالتحقق والكشف عن الحقيقة ومحاسبة المسؤولين.

وتمثل قصة محمد قحطان نموذجًا لتضحية سياسية امتدت كلفتها إلى أسرته والذاكرة اليمنية، وظلت قضيته شاهدة على ثمن الموقف عندما يصبح الاختلاف السياسي سببًا للاختطاف والإخفاء.

 

الوفاء بالوفاء

يحضر الشهداء والجرحى والمختطفون والأسرى وأسرهم في الخطاب التنظيمي والإعلامي للإصلاح بوصفهم أصحاب تضحيات تستحق الوفاء، وتصبح ذكراهم جزءًا من المناسبات والفعاليات التي ينظمها الحزب في المحافظات.

ومن أبرز صور هذا الاعتزاز إحياء ذكرى الشهداء وتخليد سيرهم ومواقفهم، واستعادة مآثرهم في الكلمات والبيانات والفعاليات العامة، إلى جانب تسمية بعض الفعاليات والأنشطة بأسمائهم وإبقاء قصصهم حاضرة أمام الأجيال الجديدة.

كما يظهر التقدير من خلال زيارة أسر الشهداء والجرحى والمختطفين، وتفقد أحوالهم، ومشاركتهم مناسباتهم، وتقديم أشكال مختلفة من الدعم والمساندة، بما يؤكد استمرار الوفاء بعد رحيل أصحاب التضحيات أو غيابهم خلف القضبان.

ويأخذ الاعتزاز صورة التوثيق الإعلامي والتاريخي، عبر نشر السير والقصص والشهادات المتعلقة بمن قدموا حياتهم أو حريتهم أو صحتهم، وإبراز أدوارهم في الدفاع عن الدولة والمجتمع.

كما تحضر قضية المختطفين في الفعاليات والمواقف السياسية والحقوقية، من خلال المطالبة بالكشف عن مصيرهم والإفراج عنهم، ومنع سنوات الغياب من طمس أسمائهم وقضاياهم.

ويمتد الوفاء إلى رعاية أسر الشهداء والجرحى والمختطفين، وإسنادهم اجتماعيًا، والحفاظ على حضورهم داخل المجتمع والحزب. فالتقدير الحقيقي للتضحيات ممارسة مستمرة تحفظ الأسماء، وتصون المكانة، وتبقي التضحيات حاضرة في الوعي الوطني.

 

احتفاء ومسؤولية

تندرج تضحيات أعضاء الإصلاح وقياداته ضمن السياق اليمني الأوسع الذي شهد انهيارًا في مؤسسات الدولة واتساعًا للعنف السياسي والعسكري والانتهاكات الحقوقية.

ويحفظ استحضار هذه التضحيات جانبًا من ذاكرة مرحلة دفعت فيها شخصيات سياسية ومدنية وعسكرية أثمانًا باهظة بسبب مواقفها الوطنية.

فبين المختطف الذي طال غيابه، والجريح الذي بقيت آثار الحرب على جسده، والشهيد الذي ترك أسرته أمام امتحان الفقد، والقيادي المدني الذي اغتيل في المدينة، والمقاتل الذي سقط في الجبهة دفاعًا عن الدولة، تتشكل صورة متعددة الوجوه للتضحية.

وتكتمل هذه الصورة بالالتفات إلى الأسر التي عاشت نتائجها وظلت تحمل تبعاتها بعد غياب أصحابها.

ويضع الاعتزاز بهذه الرموز والأبطال مسؤوليات حاضرة، تشمل توثيق السير، وحفظ الذاكرة، ورعاية الأسر، والوقوف إلى جانب الجرحى، ومواصلة المطالبة بالكشف عن مصير المختطفين والمخفيين، والاحتفاء بكل من قدم حياته أو حريته أو صحته دفاعًا عن قناعاته.

وتحفظ التفاصيل الصادقة والموثقة أسماء أصحاب التضحيات من النسيان، وتحول قصصهم الفردية المؤلمة إلى جزء من الذاكرة الوطنية اليمنية، بما تحمله من دروس عن كلفة الموقف وقيمة الحرية وأهمية إبقاء الإنسان وحقه في الحياة والكرامة فوق حسابات الصراع.