الإثنين 13-07-2026 21:31:14 م : 28 - محرم - 1448 هـ
آخر الاخبار

اقتصاد الحرب الحوثي.. كيف تحولت الأزمات إلى شبكة نفوذ وأرباح؟

الخميس 18 يونيو-حزيران 2026 الساعة 09 مساءً / الإصلاح نت - خاص

  

لم يعد الحديث عن الفساد في مناطق سيطرة مليشيا الحوثي مقتصراً على وقائع متفرقة أو تجاوزات فردية هنا وهناك، بل أصبح يدور حول منظومة متكاملة ومتعددة الأوجه، تمكنت خلال سنوات الحرب من التغلغل في مفاصل الاقتصاد والإدارة والخدمات العامة، وتحويل مؤسسات الدولة والموارد الوطنية إلى أدوات للإثراء والهيمنة وتعزيز النفوذ.
وتكشف العديد من القضايا المتداولة، بدءاً من انتشار الوقود المغشوش، مروراً باحتكار تجارة المشتقات النفطية، ووصولاً إلى نهب الأراضي العامة والخاصة والتوسع في فرض الجبايات غير القانونية، عن نمط متكرر يقوم على استغلال السلطة والظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد لتحقيق مكاسب اقتصادية ضخمة على حساب المواطنين.
كما امتدت تداعيات هذه الممارسات إلى القطاع الإنساني، حيث واجهت المساعدات والإغاثة تحديات كبيرة بسبب التدخلات والقيود التي أدت إلى حرمان شرائح واسعة من الأسر الفقيرة والمحتاجة من الوصول العادل إلى الدعم الإنساني.

تلاعب واحتكار

ولم يعد ملف المشتقات النفطية في مناطق سيطرة مليشيا الحوثي مجرد قضية اقتصادية مرتبطة بتوفير الوقود للمواطنين، بل تحول خلال السنوات الماضية إلى واحد من أكثر الملفات إثارة للجدل، نظراً لما يرافقه من اتهامات متكررة بالاحتكار والتلاعب والجشع التجاري الذي انعكس بصورة مباشرة على حياة ملايين اليمنيين.
ففي الوقت الذي يعاني فيه المواطنون من تدهور غير مسبوق في مستويات الدخل وارتفاع تكاليف المعيشة، برزت شكاوى واسعة من انتشار الوقود المغشوش أو منخفض الجودة، وسط اتهامات بوجود شبكات منظمة تستفيد من غياب الرقابة المستقلة على عمليات الاستيراد والتخزين والتوزيع.
وقد اشتكى آلاف المواطنين وأصحاب المركبات والمولدات الكهربائية والآلات الزراعية خلال السنوات الأخيرة من الأعطال المتكررة التي أصابت محركاتهم عقب استخدام أنواع من الوقود المتداولة في الأسواق، الأمر الذي تسبب بخسائر مالية إضافية في بلد يعيش غالبية سكانه أوضاعاً اقتصادية بالغة الصعوبة.
ويرى خبراء ومراقبون أن عودة أزمة الوقود المغشوش في مناطق سيطرة الحوثيين ترتبط بالضائقة المالية التي تواجهها المليشيا خلال الأشهر الأخيرة، نتيجة العقوبات الدولية وتراجع الأنشطة الاقتصادية في مناطق نفوذها.
وفي هذا السياق، يوضح الباحث الاقتصادي اليمني فؤاد المقطري أن المليشيا قد تكون لجأت إلى استيراد أنواع وقود منخفضة الجودة ورخيصة الثمن، أو إعادة طرح كميات من الوقود المغشوش كانت قد صادرتها في سنوات سابقة. ويشير إلى أن المليشيا أعلنت سابقاً عن ضبط كميات كبيرة من هذا الوقود دون الكشف عن آلية التصرف بها، مرجحاً أنها احتفظت بها لمواجهة الأزمات المالية الطارئة.

أزمات متكررة

ولا تقف القضية عند حدود جودة الوقود، بل تمتد إلى طبيعة السيطرة التي فرضتها المليشيا على قطاع المشتقات النفطية بأكمله، حيث أصبحت عمليات الاستيراد والتوزيع تخضع لشبكات محدودة مرتبطة بمراكز النفوذ، وهو ما أدى إلى تقليص المنافسة وتحويل هذا القطاع الحيوي إلى أحد أهم مصادر التمويل الاقتصادي.
وخلال السنوات الماضية، شهدت مناطق سيطرة الحوثيين أزمات وقود متكررة، تزامنت في كثير من الأحيان مع وجود كميات متوافرة في الموانئ أو المستودعات، الأمر الذي دفع كثيراً من المراقبين إلى الحديث عن استخدام الوقود كأداة اقتصادية وسياسية لإدارة السوق، والتحكم بالأسعار وتعظيم الأرباح.
وقد سبق لفريق خبراء الأمم المتحدة المعني باليمن أن أشار في تقارير متعددة إلى وجود شبكات اقتصادية مرتبطة بقيادات نافذة تستفيد من تجارة الوقود والرسوم المفروضة عليه، وتحقق عوائد مالية كبيرة خارج الأطر الحكومية التقليدية، كما تحولت تجارة المشتقات النفطية إلى مصدر رئيسي للجبايات، سواء عبر الرسوم الجمركية أو الضرائب أو المبالغ المستحدثة التي تفرض على عمليات النقل والتوزيع، وهو ما ينعكس في النهاية على المستهلك النهائي الذي يتحمل التكلفة المضاعفة.
ولا يقتصر أثر هذه المنظومة على المركبات ووسائل النقل فقط، بل يمتد إلى مختلف القطاعات الاقتصادية، إذ ترتفع تكاليف تشغيل المخابز والمزارع والمصانع الصغيرة والمستشفيات والآبار ومحطات ضخ المياه، لتنتقل أعباء هذه الزيادات إلى أسعار السلع والخدمات الأساسية التي يحتاجها المواطن يومياً.
ويحذر خبراء اقتصاديون من أن استمرار غياب الشفافية والرقابة المستقلة على هذا القطاع يهدد بتحويله إلى نموذج دائم لاقتصاد الحرب، حيث تصبح معاناة الناس فرصة لتحقيق الأرباح بدلاً من أن تكون دافعاً لمعالجة الأزمة.
وقد قدّر فريق خبراء الأمم المتحدة في تقارير سابقة أن مليشيا الحوثي تجني ما لا يقل عن 300 مليون دولار سنوياً من الرسوم المفروضة على واردات الوقود عبر ميناء الحديدة، فضلاً عن عوائد إضافية غير معلنة من تجارة المشتقات النفطية والسوق السوداء والجبايات المرتبطة بها.

توسع صامت

وخلال سنوات الحرب، برز ملف نهب الأراضي والعقارات كأحد أكثر ملفات الفساد تعقيداً وإثارة للقلق في مناطق سيطرة مليشيا الحوثي، إذ لم يعد الأمر مقتصراً على نزاعات عقارية فردية، بل تحول إلى ظاهرة واسعة ارتبطت باستخدام النفوذ العسكري والأمني والقضائي لإعادة رسم خريطة الملكية العامة والخاصة.
وتشير تقارير حقوقية يمنية إلى تلقي آلاف البلاغات والشكاوى المتعلقة بالاستيلاء على أراضٍ وعقارات تعود ملكيتها لمواطنين أو لجهات حكومية وأوقاف، خصوصاً في العاصمة صنعاء ومحافظات الحديدة وإب وذمار وعمران، وسط اتهامات باستحداث وثائق ملكية جديدة أو فرض الأمر الواقع بالقوة.
وتكمن خطورة هذه القضية في أن الأراضي المستهدفة لا تقتصر على الأملاك الخاصة، بل تمتد إلى أراضي الدولة والأوقاف والممتلكات الاستثمارية التي تمثل أحد أهم الأصول الاقتصادية لأي دولة. وبحسب ناشطين فإن السيطرة على العقارات أصبحت أحد مصادر النفوذ الاقتصادي طويل الأمد، لما توفره من عوائد مالية ضخمة وفرص استثمارية مستقبلية.
وتنعكس هذه الممارسات على البيئة الاقتصادية برمتها، في بلد تشير تقديرات البنك الدولي إلى أن نحو ثلاثة أرباع سكانه يعيشون تحت خط الفقر، بينما انخفض نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بنسبة تقارب 58% مقارنة بما كان عليه قبل الحرب.
كما أن تآكل منظومة حماية الملكية الخاصة يرسل رسائل سلبية للمستثمرين المحليين، ويزيد من حالة عدم اليقين الاقتصادي، ويدفع كثيرا من رؤوس الأموال إلى العزوف عن الاستثمار أو نقل أنشطتها إلى مناطق أكثر استقراراً.
ويؤكد خبراء اقتصاديون أن أخطر ما في هذه الظاهرة ليس حجم الأراضي التي يتم الاستيلاء عليها فحسب، بل تحولها إلى سياسة ممنهجة تؤسس لاقتصاد قائم على النفوذ بدلاً من القانون، وهو ما يهدد مستقبل التنمية وإعادة الإعمار في اليمن حتى بعد انتهاء الحرب.

انتقادات واسعة

ولم يقتصر نفوذ المليشيا الحوثية خلال سنوات الحرب على السيطرة العسكرية والأمنية، بل امتد إلى بناء منظومة مالية وإدارية موازية أعادت تشكيل العلاقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، حيث تحولت كثير من المؤسسات الحكومية من جهات خدمية إلى أدوات لتحصيل الإيرادات وفرض الجبايات بمسميات متعددة.
وفي الوقت الذي توقفت فيه رواتب مئات الآلاف من الموظفين العموميين في مناطق سيطرة المليشيا منذ عام 2016، استمرت عمليات التحصيل المالي بوتيرة متصاعدة، لتشمل قطاعات التجارة والصناعة والنقل والتعليم والاتصالات والأسواق الشعبية وحتى الأنشطة الصغيرة التي يعتمد عليها المواطنون في تأمين احتياجاتهم اليومية.
وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن نحو 22 مليون يمني يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، بينما يعاني أكثر من 18 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي بدرجات متفاوتة، وهي أرقام تعكس حجم الضغوط الاقتصادية التي يعيشها السكان في ظل بيئة مالية مرهقة ومتزايدة الأعباء.
ويقول اقتصاديون إن أخطر ما يميز هذه المنظومة هو تعدد الجهات المحصلة للرسوم، حيث تُفرض مبالغ تحت مسميات مختلفة، بعضها لا يستند إلى قوانين مالية معروفة، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج والتجارة وانتقال العبء بصورة مباشرة إلى المستهلك النهائي، كما أدى تضخم الجبايات إلى زيادة أسعار السلع الأساسية، وتقليص هامش أرباح التجار الصغار، ودفع بعض المنشآت إلى تقليص أنشطتها أو إغلاق أبوابها، في وقت يعاني فيه الاقتصاد اليمني من واحدة من أطول الأزمات الاقتصادية في العالم.
وتزداد حدة الانتقادات مع استمرار توقف رواتب شريحة واسعة من موظفي القطاع العام، الذين يُقدَّر عددهم بنحو 1.2 مليون موظف، بينما تستمر عمليات التحصيل والإيرادات في مختلف القطاعات، وهو ما يثير تساؤلات متكررة حول مصير هذه الموارد وآليات إدارتها.
ويرى مراقبون أن هذه السياسة لم تعد مجرد ممارسات مالية عابرة، بل أصبحت جزءاً من نموذج اقتصادي قائم على تعظيم الإيرادات قصيرة الأجل، حتى وإن كان ذلك على حساب النشاط الاقتصادي والإنتاج المحلي وقدرة المواطنين على الصمود، ومع مرور الوقت تتراكم آثار هذه المنظومة لتنتج اقتصاداً هشاً يعتمد على الجباية أكثر من اعتماده على التنمية، ويعيد إنتاج الأزمات بدلاً من معالجتها.

أدوات للنفوذ والسيطرة

وفي بلد يعيش واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، برز ملف التدخل في المساعدات الإنسانية كأحد أكثر الملفات إثارة للجدل خلال السنوات الماضية، بعدما واجهت المنظمات الدولية والإغاثية عراقيل متكررة في إيصال المساعدات إلى مستحقيها داخل مناطق سيطرة الحوثيين.
فوفقاً لتقارير الأمم المتحدة يحتاج أكثر من 22 مليون يمني إلى مساعدات إنسانية، بينما يعاني نحو 18.3 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي، ويواجه أكثر من 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة سوء تغذية حاد، من بينهم أكثر من 500 ألف طفل يعانون من سوء تغذية حاد وخيم يهدد حياتهم بشكل مباشر.
ورغم ضخ مليارات الدولارات من المساعدات الدولية إلى اليمن منذ اندلاع الحرب، واجهت المنظمات الإنسانية اتهامات متكررة بوجود تدخلات ممنهجة في عمليات التوزيع والاستهداف، سواء عبر فرض قيود على حركة العاملين الإنسانيين، أو محاولة التأثير على قوائم المستفيدين، أو توجيه جزء من المساعدات لخدمة شبكات النفوذ المحلية.
وقد دفعت هذه التحديات بعض الجهات المانحة إلى تقليص برامجها أو إعادة النظر في آليات التمويل، بسبب المخاوف المتعلقة بوصول المساعدات إلى مستحقيها بصورة عادلة وشفافة.
ويؤكد العاملون في المجال الإنساني أن أخطر ما في هذه الممارسات ليس فقدان جزء من المواد الإغاثية فحسب، بل تحول المساعدات إلى وسيلة للضغط الاجتماعي والسياسي، حيث يصبح الحصول على الغذاء أو الدواء أو المساعدات النقدية مرتبطاً أحياناً بعوامل لا علاقة لها بمعيار الحاجة الإنسانية، كما أدى هذا الوضع أيضا إلى تعميق الفجوة بين الفئات الأكثر ضعفاً وبين الموارد المخصصة لدعمها، خصوصاً في ظل تراجع التمويل الدولي عاماً بعد آخر، وازدياد أعداد المحتاجين للمساعدة.
ويرى مراقبون أن أي تدخل في العمل الإنساني لا يمثل مجرد مخالفة إدارية، بل يضاعف من حجم الكارثة الإنسانية في بلد أنهكته الحرب والفقر والنزوح، فحين تتحول المساعدات المخصصة لإنقاذ الأرواح إلى أداة للنفوذ والسيطرة، يصبح المتضرر الأول هو المواطن البسيط الذي يجد نفسه محاصراً بين الحاجة الشديدة وبين عراقيل الوصول إلى حقه الأساسي في الغذاء والدواء والبقاء على قيد الحياة.

اقتصاد الحرب وصناعة الأزمات

وفي سياق الحرب الممتدة في اليمن، برز ما يصفه خبراء الاقتصاد بـ«اقتصاد الحرب»، وهو نموذج تتحول فيه الأزمات والصراعات إلى مصدر دخل ونفوذ، بدلاً من أن تكون حالة استثنائية يتم السعي لإنهائها، وفي مناطق سيطرة المليشيا الحوثية، تتقاطع عدة مؤشرات على تشكل هذا النمط الاقتصادي الذي يعتمد على استمرار الاختلالات بدلاً من معالجتها.
ففي بلد يعاني من أزمات اقتصادية خانقة، وتقديرات أممية بوجود 18.3 مليون يعانون من انعدام الأمن الغذائي، تتسع مساحة الاقتصاد غير الرسمي القائم على الجبايات والرسوم والاحتكارات، بما يخلق بيئة تسمح بتحويل الحاجة العامة إلى مصدر دخل مستمر.
ويشير البنك الدولي إلى أن الاقتصاد اليمني انكمش بشكل حاد منذ بداية الحرب، حيث فقدت العملة المحلية جزءاً كبيراً من قيمتها، وانخفض نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بنسبة تقارب 58% مقارنة بما قبل 2015، وهو ما يعكس حجم التدهور في القدرة الإنتاجية للاقتصاد الوطني.
وضمن هذا السياق تظهر مؤشرات على أن استمرار الأزمات في الوقود والسلع الأساسية والخدمات لا يُعامل فقط كحالات طارئة، بل كجزء من منظومة إدارة اقتصادية غير مستقرة، حيث يؤدي نقص السلع وارتفاع الأسعار إلى خلق فرص ربحية لشبكات الوساطة والاحتكار، كما أدى تعدد نقاط التحصيل المالي والرسوم غير الرسمية إلى تعزيز هذا النمط، حيث تتحول كل مرحلة من مراحل الإنتاج والتوزيع إلى فرصة لفرض تكاليف إضافية، تنتهي في النهاية إلى زيادة العبء على المستهلك النهائي، في ظل غياب آليات رقابية مستقلة.
ووفقا لاقتصاديين فإن أخطر ما في اقتصاد الحرب ليس فقط انهيار المؤشرات التقليدية للنمو، بل إعادة تشكيل بنية الحوافز الاقتصادية بحيث يصبح استمرار الأزمة أكثر ربحية من حلها، وهو ما يطيل أمد المعاناة الإنسانية ويجعل التعافي الاقتصادي أكثر تعقيداً.
ومع استمرار هذه الدورة المغلقة، تتراجع فرص الاستثمار والإنتاج الحقيقي، لصالح اقتصاد يعتمد على إعادة توزيع الموارد عبر النفوذ والسيطرة، بدل خلق قيمة اقتصادية جديدة، وهو ما يضع اليمن أمام تحديات طويلة الأمد تتجاوز مجرد آثار الحرب المباشرة.

من خدمة عامة إلى خزينة تمويل

ولم يقتصر تمدد النفوذ المالي لمليشيا الحوثي على الوقود والجبايات والأراضي والجمارك، بل امتد إلى أحد أكثر القطاعات ربحية وحيوية في اليمن، وهو قطاع الاتصالات، الذي تحول خلال سنوات الحرب إلى مصدر تمويل مستمر يدر مئات الملايين من الدولارات سنوياً.
وبحسب تقرير حديث ضمن سلسلة «الاقتصاد الموازي»، تمكنت المليشيا من تحويل قطاع الاتصالات إلى واحدة من أكبر خزائنها المالية، إذ تجني ما يقارب نصف مليار دولار سنوياً، بإجمالي يتجاوز خمسة مليارات دولار منذ سيطرتها على مؤسسات الدولة في أواخر عام 2014.
ويُسهم قطاع الاتصالات بنحو 7% من الناتج المحلي الإجمالي لليمن، مما يجعله أحد أهم القطاعات الاقتصادية في البلاد، وقد فرضت المليشيا سيطرتها الكاملة على إيرادات خدمات الإنترنت والاتصالات الهاتفية والرسائل النصية وكروت الشحن والضرائب المفروضة على شركات القطاع، فضلاً عن سيطرتها على البنية التحتية الحيوية، بما في ذلك البوابة الدولية للإنترنت وأبراج الاتصالات ومحطات البث.
ووفقاً للتقرير تدر خدمات الإنترنت وحدها أكثر من 240 مليون دولار سنوياً، بينما تحقق خدمات المكالمات والرسائل النصية عوائد إضافية تتراوح بين 180 و 220 مليون دولار سنوياً، في وقت يشكو فيه المواطنون من تدني جودة الخدمات وارتفاع تكلفتها.
كما كشف التقرير أن شركة "يمن موبايل" حققت إيرادات تجاوزت 100 مليون دولار خلال عام 2021، فيما دفعت نحو 83.9 مليار ريال يمني تحت مسميات متعددة، شملت الضرائب والزكاة ورسوم التراخيص وفروقات أسعار الصرف.
ويرى مراقبون أن خطورة هذا الملف لا تكمن في حجم الأموال المتدفقة فحسب، بل في تحويل قطاع سيادي وإستراتيجي إلى ذراع تمويل اقتصادي وأمني وعسكري يعمل خارج منظومة الشفافية والرقابة، ويكرس نموذجاً موازياً للاقتصاد، تُوجَّه فيه الموارد لخدمة استمرارية المليشيا بدلاً من تطوير البنية التحتية وتحسين الخدمات التي يعتمد عليها ملايين اليمنيين بشكل يومي.

مستقبل سيئ

ولا تقف تداعيات الفساد والحرب عند حدود الاقتصاد والأرقام المالية، بل تمتد بعمق إلى البنية الاجتماعية في اليمن، حيث تتشكل آثار طويلة الأمد تمس حياة الأفراد، وتعيد صياغة العلاقة بين المواطن والدولة، وتؤثر على مستقبل الأجيال القادمة.
ففي بلد تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن أكثر من 22 مليون شخص يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، ونحو 18.3 مليون يعانون من انعدام الأمن الغذائي، تتسع رقعة الهشاشة الاجتماعية بشكل غير مسبوق، مع ازدياد معدلات الفقر، وتراجع فرص التعليم، وارتفاع معدلات التسرب المدرسي، خصوصاً بين الأطفال في الأسر الأكثر ضعفاً.
كما أدى تدهور الخدمات الأساسية مثل الصحة والمياه والكهرباء وغيره، والناتج عن الفساد المالي بأبشع صوره إلى زيادة الأعباء اليومية على الأسر، ودفع الكثير منها إلى تبني إستراتيجيات بقاء قاسية، تشمل تقليص الوجبات الغذائية أو الاعتماد على مصادر دخل غير مستقرة، مما ينعكس مباشرة على الصحة العامة ومستوى المعيشة.
ويحذر مختصون اجتماعيون من أن استمرار هذه الأوضاع يهدد بتآكل الطبقة الوسطى، التي تعد ركيزة الاستقرار في أي مجتمع، حيث تتقلص قدرتها على الصمود أمام ارتفاع الأسعار وانخفاض الدخل، مما يدفع شريحة واسعة نحو الفقر المدقع.
كما أن غياب العدالة في توزيع الموارد والخدمات، وانتشار مظاهر الفساد والوساطة والتمييز، يضعف الثقة بين المواطن والمؤسسات العامة، ويؤدي إلى شعور متزايد بالاغتراب عن الدولة، وهو ما ينعكس سلباً على مفهوم المواطنة والانتماء.
وفي السياق ذاته، يرى خبراء أن أخطر ما يواجه اليمن على المدى البعيد ليس فقط الخسائر الاقتصادية، بل التأثيرات الاجتماعية العميقة التي تشمل تراجع رأس المال البشري، وضعف فرص التعليم والتأهيل، وارتفاع معدلات الاعتماد على الإغاثة بدلاً من الإنتاج.

اختلالات عميقة

يظهر من خلال تتبع صور الفساد في قطاع الوقود والأراضي والجبايات والمساعدات الإنسانية وغيرها أن المشهد في مناطق الصراع لم يعد مجرد اختلالات متفرقة، بل شبكة مترابطة من الممارسات التي أعادت تشكيل الاقتصاد والمجتمع على أساس النفوذ بدلاً من القانون، وعلى أساس إدارة الموارد من منطق السيطرة لا منطق التنمية.
وتكشف المؤشرات الاقتصادية العامة، بما فيها تراجع نصيب الفرد من الناتج المحلي، واحتياج أكثر من 22 مليون شخص للمساعدات الإنسانية بحسب تقديرات الأمم المتحدة، حجم الانعكاسات العميقة لهذه الاختلالات على حياة السكان اليومية، حيث أصبحت غالبية الأسر اليمنية تواجه تحديات معيشية قاسية وغير مسبوقة.
وفي ظل استمرار هذا الواقع، تتراجع فرص التعافي التدريجي، وتتعمق فجوة الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، مما يجعل أي عملية إعادة بناء مستقبلية أكثر تعقيداً وكلفة، ومع ذلك يبقى بسط نفوذ الدولة واستعادة الشفافية وتعزيز الرقابة وإعادة الاعتبار للقانون شرطاً أساسياً لأي خروج من دائرة الأزمة، وإعادة توجيه الموارد نحو التنمية والبناء.

كلمات دالّة

#اليمن