الإثنين 18-05-2026 09:07:36 ص : 2 - ذو الحجة - 1447 هـ
آخر الاخبار

الإصلاح والجدل السياسي في اليمن.. تفكيك المزاعم حول الإرهاب والديمقراطية والعلاقات الإقليمية

السبت 11 إبريل-نيسان 2026 الساعة 07 مساءً / الإصلاح نت - خاص

 

خلصت ورقة بحثية صادرة عن مركز المخا للدراسات الإستراتيجية إلى أن حزب التجمع اليمني للإصلاح قدّم في أدبياته الرسمية خطابًا وسطيًا واضحًا، ركّز على العمل السياسي المشروع، والانفتاح على الآخر، والمرجعية الوطنية المستقلة، إلى جانب نبذ العنف خارج إطار الدولة.

وبحسب الورقة، التي حملت عنوان «الجدل السياسي حول التجمع اليمني للإصلاح: قراءة في إطار الأدبيات والسياسات»، فإن الممارسة العملية للحزب عكست التزامًا فعليًا بالعملية الديمقراطية، تجاوز حدود الشعارات إلى خطوات ملموسة، تمثلت في تقديم تنازلات سياسية (1993)، وقبول التداول السلمي للسلطة (1997)، وبناء تحالفات واسعة مع خصوم أيديولوجيين سابقين (1992، 2003)، إضافة إلى إبداء مرونة في توسيع هذه التحالفات وفقًا لمقتضيات المراحل والمصالح الوطنية (2021، 2025).

كما خلصت الورقة، التي أعدّها الباحث الدكتور عمر ردمان، إلى أن الاتهامات الموجهة إلى حزب الإصلاح بالارتباط بجماعات متطرفة تتعارض مع واقع استهدافه بعمليات إرهابية، دفع خلالها الحزب ثمنًا باهظًا من قياداته وكوادره.

وأشارت إلى أن التقييم الموضوعي للعلاقة بين حزب الإصلاح ومليشيا الحوثيين يُظهر بوضوح أنها علاقة قائمة على العداء والمواجهة، وغير قابلة للتحالف أو التخادم. ولفتت إلى أن بعض المحاولات الحوارية المحدودة جاءت بطلب من الحوثيين في مراحل اتسمت بالضعف أو التضييق العسكري، في سياق محاولات للمناورة وخلط الأوراق وزعزعة الثقة بين الإصلاح وحلفائه. وخلصت إلى أن مجمل الاتهامات المثارة في هذا السياق تفتقر إلى أدلة ملموسة، مقابل وفرة الشواهد على حالة العداء والمواجهة.

وأكدت الورقة أن طبيعة المشاركات المنسوبة إلى الإصلاح في النزاعات المسلحة جاءت، في الغالب، استجابة لنداء الدولة وضمن أطرها المؤسسية، وليس باسم الحزب، كما انخرط بعض الأفراد في تلك النزاعات في إطار مجتمعاتهم المحلية وتكويناتهم القبلية، مع عودة سريعة إلى الحالة المدنية عقب انتهاء ظروف المواجهة، مؤكدة أن هذا النمط يميّز الإصلاح عن نماذج أخرى تتبنى العمل المسلح الثوري وتسعى إلى إنشاء تشكيلات عسكرية دائمة لخدمة أجندات خاصة.

وجدّدت الورقة التأكيد على أن الحملات الموجهة ضد حزب الإصلاح لا يمكن فصلها عن سياق الصراعين الإقليمي والمحلي، حيث تُستخدم اتهامات «الإرهاب» ودعاوى الارتباط بتنظيمات خارجية كأدوات لتصفية الحسابات السياسية، أكثر من كونها تعبيرًا عن تقييم موضوعي.

الإصلاح والنقد الموضوعي

وفي محور «الإصلاح والنقد الموضوعي»، انطلقت الورقة البحثية من تحديد المشكلة والمنهجية، مشيرة إلى أن حزب التجمع اليمني للإصلاح، منذ تأسيسه في 13 سبتمبر 1990، ظل يثير جدلًا واسعًا في الأوساط السياسية اليمنية والإقليمية، وتتموضع التقييمات حياله غالبًا بين رؤيتين متناقضتين: إحداهما تقدّمه بوصفه نموذجًا للوطنية والاعتدال، وأخرى تتهمه بالتطرف والارتباط بجماعات خارجية.

وأوضحت الورقة أن هذا الاستقطاب الحاد يطرح تساؤلًا منهجيًا محوريًا: كيف يمكن إخضاع تجربة الإصلاح لمعيار النقد الموضوعي، واختبار مواقفه، والتحقق من فرضيات المزاعم الموجهة إليه في ضوء النصوص والتجربة العملية؟

وبيّنت الورقة أن هدفها يتمثل في مقاربة هذا السؤال بعيدًا عن أي دوافع مسبقة للإدانة أو الدفاع، عبر اختبار خطاب الحزب ومدى اتساقه مع ممارساته العملية، وتقييم ذلك ضمن سياقاته الموضوعية.

واعتمدت الورقة في ذلك على منهجية مركبة، تقوم أولًا على فحص النصوص ذات الصلة من أدبيات الحزب، وتحليل مواقفه المنشورة في منصاته الرسمية بوصفها مصدرًا رئيسيًا لتعريف الذات، كما ترتكز على رصد أبرز المزاعم التي يطرحها الخصوم، وتقييم الأدلة التي تستند إليها، وتحليل مدى اتساقها مع الإطار النظري والوقائع الميدانية المرتبطة بالحزب.

وشملت المنهجية كذلك تتبّع التجربة العملية للإصلاح في المحطات المفصلية، بهدف استخلاص مؤشرات منهجية وسلوكية قابلة للقياس، تسهم في تقديم تقييم أكثر توازنًا وموضوعية.

الإطار المرجعي والجذور الفكرية

وبحسب الورقة البحثية، يقدّم حزب التجمع اليمني للإصلاح نفسه في أدبياته الرسمية بوصفه «امتدادًا لحركة الإصلاح اليمنية التاريخية فكرًا وسلوكًا في مختلف ربوع اليمن، والتي سعت إلى استعادة الوجه المشرق للبلاد، وتحريرها من التشوهات التي خلّفها الاستعمار الأجنبي والحكم الإمامي الاستبدادي القائم على التمييز الطبقي والعنصري».

وأشارت الورقة إلى أن هذا التأصيل التاريخي يُحيل بالحزب إلى حركة الإصلاح الوطنية التي برزت ملامحها منذ أواخر القرن الثامن عشر، ممثلة في جهود عدد من أعلام الإصلاح، من بينهم ابن الأمير الصنعاني، ومحمد بن علي الشوكاني، وقبلهما محمد بن إبراهيم الوزير، وقد اتسمت هذه الحركة بالمناهضة الفكرية للحكم الإمامي وأُسسه العقدية والسياسية القائمة على التمييز العرقي والتعصب المذهبي، إلى جانب السعي نحو تجديد الهوية والفكر في إطار محلي.

وفي المقابل، استدرك الباحث بالإشارة إلى أن بعض الأدبيات التاريخية تتحدث عن وجود صلات مع جماعة الإخوان المسلمين في مصر منذ أربعينيات القرن العشرين، عبر شخصيات مثل الفضيل الورتلاني، وتأثيره في عدد من الطلبة اليمنيين، فضلًا عن دخوله إلى اليمن قبيل أحداث 1948 ضد حكم الإمام يحيى حميد الدين. واعتبر أن هذا التباين الظاهري بين التأكيد الرسمي على الامتداد المحلي الخالص، وتلك الروايات التي تشير إلى تأثر خارجي، يظل بحاجة إلى فحص علمي وتقييم موضوعي.

وفيما يتعلق بالتحول من الأدوار الاجتماعية إلى العمل السياسي المنظّم، أوضحت الورقة أن عددًا من القيادات اليمنية التي شاركت لاحقًا في تأسيس الإصلاح، كانت قد نشطت قبل قيام الوحدة في مجالات اجتماعية وتعليمية، ضمن مؤسسات ومعاهد الإرشاد التي أُنشئت في سبعينيات القرن الماضي خلال فترة الرئيس إبراهيم الحمدي.

ولفتت إلى أنه من المرجّح أن هذه القيادات، شأنها شأن قوى سياسية يمنية أخرى، بما فيها التيارات اليسارية والقومية، مارست أشكالًا من العمل السياسي غير المعلن قبل مرحلة التعددية، في ظل تنافس المشاريع الفكرية والسياسية آنذاك. ومع إعلان الوحدة اليمنية في 22 مايو 1990، أُتيح المجال للعمل السياسي العلني، ليأتي تأسيس التجمع اليمني للإصلاح بمشاركة نحو 1200 شخصية مؤسسة، اختير من بينهم 60 عضوًا لتشكيل لجنة تحضيرية تمثل مختلف المحافظات.

وأكدت الورقة أن هذه البنية التأسيسية الواسعة تعكس توجهًا نحو بناء قاعدة مجتمعية عريضة تتجاوز الأطر المناطقية والأيديولوجية الضيقة، كما تُظهر التشكيلة التأسيسية حضورًا متنوعًا ضم شخصيات منتمية إلى تيارات قومية، ووجهاء قبليين، وعلماء، وشخصيات وطنية عامة، إلى جانب رجال أعمال وأكاديميين وطلاب، بما يعكس طابعًا توفيقيًا سعى إلى الجمع بين التمثيل المجتمعي الواسع والمرجعية الإسلامية بوصفها إطارًا ناظمًا لهوية المجتمع ومرتكزًا دستوريًا.

مزاعم خصوم الإصلاح

وتناولت الورقة البحثية اختبار أربع فرضيات رئيسية يثيرها بعض خصوم حزب التجمع اليمني للإصلاح، في مقدمتها مزاعم الارتباط بتنظيم جماعة الإخوان المسلمين، باعتبارها الأكثر حضورًا في الخطاب المناوئ للحزب. وفي المقابل، يشير الحزب في أدبياته الرسمية إلى نفي أي علاقة تنظيمية أو سياسية تربطه بأي جماعات أو تنظيمات خارجية، بما في ذلك جماعة الإخوان المسلمين.

وأوضحت الورقة أن الإصلاح أكد، في بيان صادر بمناسبة الذكرى السادسة والعشرين لتأسيسه، أن «انتماءه الوطني يمثل أساس وجوده وتأثيره السياسي، وأن مرجعيته يمنية خالصة»، مشددًا على أنه حزب منفتح على مختلف المكونات، ولا يسمح بأي تدخل خارجي في شؤونه، كما نفى «بوضوح وشفافية» وجود أي ارتباط تنظيمي أو سياسي مع ما يُعرف بالتنظيم الدولي للإخوان المسلمين.

وبيّنت أن هذه التصريحات تعكس الصورة الذاتية التي يقدّم بها الحزب نفسه ككيان وطني مستقل، لكنها تظل، من منظور منهجي، بحاجة إلى اختبار عبر الممارسة العملية والتي تتجلى من خلال أن الحزب تأسس ضمن إطار قانوني يمني، ووفقًا للدستور، ويمارس نشاطه السياسي تحت مسمى «التجمع اليمني للإصلاح»، وهي تسمية لا تحيل تنظيميًا إلى جماعة الإخوان أو الاندراج ضمن هياكلها.

كما لفتت إلى أن تجربة الحزب السياسية اتسمت بطابع محلي واضح، تجلّى في انخراطه في تحالفات مع قوى ذات توجهات متباينة، بما في ذلك قوى علمانية ويسارية وقومية، مثل تحالفه مع حزب البعث عام 1992، وتشكيل تكتل «اللقاء المشترك» عام 2003، وهو ما يعزز فرضية استقلال قراره السياسي عن أي أطر تنظيمية خارجية.

ونوّهت الورقة كذلك إلى اتخاذ الحزب مواقف سياسية لا تتسق مع مواقف جماعة الإخوان المسلمين في بعض السياقات الإقليمية، من بينها تهنئته للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بمناسبة فوزه في الانتخابات الرئاسية، إضافة إلى إدانته، عبر بيان رسمي، مجموعات أردنية أعلنت السلطات ضبطها ووصفتها بأنها تنتمي إلى الإخوان المسلمين، معتبراً تلك الأفعال تهديدًا لأمن الأردن واستقراره.

وفي المقابل، أشارت الورقة إلى وجود تأثر تاريخي مبكر لبعض مكونات التيار الإصلاحي اليمني بتجربة الإخوان المسلمين، خاصة عبر الطلبة اليمنيين الدارسين في مصر خلال فترات سابقة، في ظل التنافس الفكري مع التيارات القومية واليسارية. واعتبرت أن هذا التأثر يندرج ضمن التفاعل الفكري والثقافي مع ما يُعرف بتيارات «الإسلام السياسي» في الإقليم، دون أن يعني بالضرورة وجود ارتباط تنظيمي.

وخلصت الورقة إلى مقاربة توفيقية بين النفي الرسمي للحزب، وبين ما تذكره بعض الكتابات من صلات فردية لبعض الشخصيات التاريخية، معتبرة أن تلك الصلات كانت ذات طابع شخصي وفكري، وارتبطت بسياقات تاريخية شهدت تفاعلات واسعة بين الحركات السياسية العربية، خصوصًا خلال مراحل التحرر الوطني.

وأكدت في هذا السياق أن الحركة الوطنية اليمنية حافظت على خصوصيتها المحلية، في ظل غياب أي هيكل تنظيمي رسمي يربطها بجماعة الإخوان المسلمين. كما أشارت إلى أن معظم الشخصيات التي تأثرت بتلك التجارب تنتمي إلى أجيال سابقة، ولم تعد فاعلة في المشهد السياسي الراهن لأسباب مختلفة، في حين حافظت قيادة الحزب منذ تأسيسه في تسعينيات القرن الماضي على تأكيد هويته الوطنية، ورفض أي تبعية تنظيمية أو سياسية لجهات خارجية.

الإرهاب والجماعات المتطرفة

واستعرضت الورقة البحثية الاتهامات التي وُجّهت إلى حزب التجمع اليمني للإصلاح من قبل أطراف مختلفة بشأن مزاعم الارتباط بالتنظيمات والجماعات المتطرفة، مشيرة إلى تصاعد وتيرة هذه الاتهامات بشكل لافت في خطاب مليشيا الحوثيين، خصوصًا خلال اجتياحها للمحافظات اليمنية عام 2014.

وناقشت الورقة هذه المزاعم في سياقها السياسي، معتبرة أنها تُستخدم كشعارات لتبرير الانقلاب على الدولة، لافتة إلى ما أعلنته الحكومة اليمنية بشأن إقدام الحوثيين، عقب سيطرتهم على صنعاء، على الإفراج عن عدد من المتهمين بقضايا إرهاب كانوا محتجزين لدى أجهزة الدولة.

كما استندت الورقة إلى تقارير حكومية يمنية مرفوعة إلى مجلس الأمن الدولي، تحدثت عن وجود علاقات ارتباط وتخادم بين جماعة الحوثيين وتنظيم القاعدة، إضافة إلى تصنيف مجلس الدفاع الوطني اليمني للحوثيين جماعة إرهابية، فضلًا عن مواقف دولية أشارت إلى صلات للجماعة بتنظيمات متطرفة داخل اليمن وخارجه، وصولًا إلى إدراجها ضمن قوائم الإرهاب لدى عدد من الدول.

وأوضحت الورقة أن هذه الاتهامات لا تقتصر على الحوثيين، بل تكررت أيضًا في خطاب أطراف أخرى من خصوم الإصلاح، بما في ذلك بعض المكونات الجنوبية. وفي المقابل، يقدّم الحزب وأنصاره جملة من الأدلة المضادة، في مقدمتها تعرض قياداته وكوادره لعمليات اغتيال واستهداف ممنهجة على مدى سنوات، وهو ما يُستخدم للدلالة على كونه ضحية للإرهاب، لا طرفًا مرتبطًا به.

وفي هذا السياق، أشارت الورقة إلى بيانات من مصادر مفتوحة تفيد بمقتل أكثر من 35 من قيادات الحزب في حوادث اغتيال خلال الفترة بين 2014 و2022، إلى جانب تفجير مقراته واعتقال المئات من أعضائه. كما لفتت إلى أن مدينة عدن شهدت، عقب تحريرها عام 2015، سلسلة من الاغتيالات التي طالت عددًا من المنتمين إلى الإصلاح.

وتطرقت الورقة كذلك إلى تحقيق صحفي أجرته «بي بي سي العربية»، تناول ظاهرة الاغتيالات في جنوب اليمن، مشيرًا إلى وجود أجندات سياسية تقف وراء عدد من تلك العمليات، التي قُدّر عددها بنحو 160 عملية خلال ثلاث سنوات (2015–2018)، وأسفرت عن سقوط عدد من قيادات الإصلاح وأعضائه، من بينهم قيادات بارزة، في ظل اتهامات متبادلة بشأن الجهة المنفذة. واعتبرت أن ذلك يعكس توظيف ملف الإرهاب في سياق الصراع السياسي وتصفية الحسابات.

ومن جهة أخرى، استعرضت الورقة مواقف الحزب المعلنة من عدد من العمليات الإرهابية خلال السنوات الأخيرة، مشيرة إلى صدور بيانات رسمية متكررة تدين مثل هذه الأعمال داخل اليمن وخارجه، بما في ذلك عمليات في مصر وروسيا وعدد من المحافظات اليمنية، فضلًا عن بيانات أخرى متتابعة تندد بالعنف والإرهاب بمختلف أشكاله.

وأكدت الورقة أن مجمل هذه المؤشرات من حيث طبيعة الاستهداف الذي تعرض له الحزب، ومواقفه المعلنة، تدعم طرح كونه في موقع المتضرر من الإرهاب، لا في موقع الارتباط به، مع التأكيد على أن هذا التقييم يظل مرهونًا بقراءة شاملة تجمع بين الخطاب والممارسة والسياق السياسي الأوسع.

التخادم مع مليشيا الحوثي

وأكدت الورقة أن تهمة «التحالف مع الحوثيين» أو «التخادم معهم» تُعد من أبرز المزاعم التي يروّج لها بعض خصوم حزب التجمع اليمني للإصلاح ووسائل إعلامهم، خصوصًا في سياق الحرب الدائرة منذ عام 2014، رغم ما يبدو من تعارض هذه الادعاءات مع المعطيات التاريخية والمشهد الميداني للعلاقة بين الطرفين، الأمر الذي يستدعي إخضاعها لاختبار موضوعي لقياس مدى اتساقها مع الوقائع.

وبالعودة إلى مرحلة المواجهات المسلحة بين الحكومة اليمنية ومليشيا الحوثيين خلال تمرد صعدة (2004–2010)، أشارت الورقة إلى وجود اتهامات صادرة عن قيادات حوثية ضد الإصلاح بالمشاركة في تلك الحروب عبر التحريض، مع الإشارة إلى أن بعض القيادات العسكرية المنخرطة في تلك المواجهات وُصفت بأنها قريبة من الحزب. غير أن تلك العمليات، بحسب السياق الرسمي حينها، كانت تُدار ضمن القوات المسلحة اليمنية تحت قيادة الدولة وبتوجيهات القائد الأعلى للقوات المسلحة في ذلك الوقت الرئيس علي عبد الله صالح.

وفي المقابل، أوضحت الورقة أن موقف الإصلاح من حروب صعدة، كما ورد في رؤيته المقدمة إلى مؤتمر الحوار الوطني الشامل، كان يقوم على رفض تلك الحروب منذ بدايتها، والتأكيد على رفض استخدام العنف كوسيلة للقمع أو فرض الأفكار. وجاء في نص الورقة أن موقف «اللقاء المشترك» -الذي كان الإصلاح جزءًا منه- اتسم بالوضوح في رفض الحروب، باعتبارها مسارًا مناقضًا لمبدأ الحوار الذي يُعد الوسيلة المثلى لمعالجة القضايا الوطنية.

كما أشارت الورقة إلى أن بعض قيادات الإصلاح رأت، في تلك المرحلة، أن الانخراط في الحروب تحت ضغط الحزب الحاكم كان سيؤدي إلى تعميق الانقسام وتحويل الصراع إلى فتنة ذات طابع طائفي، وهو ما كان سيخدم المشروع السياسي للحوثيين.

وفي هذا السياق، أكدت الورقة أن الاتهامات الحوثية للإصلاح بالمشاركة في تلك الحروب أسهمت في تكريس حالة عداء تاريخي بين الطرفين، تجعل من الصعب من الناحية المنطقية تصور إمكانية «تحالف» بينهما، في ظل تحميل كل طرف للآخر مسؤولية مواجهات مسلحة مبكرة.

الإصلاح و"عاصفة الحزم"

وأشارت الورقة إلى موقف حزب التجمع اليمني للإصلاح من عملية «عاصفة الحزم»، وما ترتب على هذا الموقف من تداعيات سياسية وأمنية على الحزب. فمع انطلاق العملية التي قادها التحالف العربي لدعم الشرعية في اليمن، أعلن الإصلاح تأييده لها، حيث أكد الناطق الرسمي باسم الحزب عدنان العديني أن الإصلاح «هو الحزب الوحيد الذي أعلن تأييده للعاصفة منذ بدايتها، إدراكًا منه لخطورة الجماعة التي جاءت من خارج العملية السياسية وتناصب العداء لإرادة اليمنيين جميعًا».

ووفق الورقة، شكّل هذا الموقف نقطة تحول محورية في مسار العلاقة بين الإصلاح ومليشيا الحوثيين، إذ أعلنت المليشيا لاحقًا حلّ الحزب، وأقدمت قواتها على اقتحام مقراته ومصادرة ممتلكاته، إضافة إلى اعتقال عشرات من قياداته، بينهم ثلاثة من أعضاء الهيئة العليا، وهم: السياسي محمد قحطان الذي لا يزال في حالة إخفاء قسري حتى الآن، والشيخ محمد حسن دماج، والشيخ حمود هاشم الذارحي، الذي توفي بعد فترة قصيرة من خروجه من المعتقل.

كما شملت الانتهاكات اقتحام منازل قيادات بارزة، بينها منزل رئيس الهيئة العليا محمد اليدومي، ومنزل الرئيس السابق لمجلس شورى الحزب عبد المجيد الزنداني، فضلًا عن اختطاف المئات من كوادره وأعضائه. واعتبرت الورقة أن هذه الممارسات لا تنسجم مع أي تصور لعلاقة تحالف أو تخادم، بل تعكس حالة عداء مفتوح.

وأضافت أن موقف التأييد لعملية "عاصفة الحزم" كلّف الحزب أثمانًا باهظة، تمثلت في تعرض أعضائه للاعتقال والاغتيال والتعذيب داخل سجون الحوثيين، مشيرة إلى أن الحزب أصدر بيانات حذّر فيها من استمرار استهداف قياداته، مؤكدًا في الوقت نفسه أن تلك الإجراءات لن تؤثر على موقفه الداعم لعمليات التحالف. ونقل عن رئيس الدائرة السياسية والمتحدث باسم الحزب سعيد شمسان تأكيده أن عمليات الاختطاف لن تغيّر من موقف الإصلاح المؤيد لـ"عاصفة الحزم".

ولم يقتصر موقف الحزب على التأييد السياسي، بحسب الورقة، بل امتد إلى المشاركة الميدانية، حيث انخرط عدد من أعضائه في صفوف المقاومة الشعبية ضمن مجتمعاتهم المحلية وقبائلهم، تحت مظلة مؤسسات الدولة الشرعية، قبل أن يتم دمج هذه التشكيلات لاحقًا في الجيش الوطني. ولفتت إلى أن تضحيات هؤلاء اختلطت بتضحيات مقاتلين من دول التحالف العربي في جبهات عدة، بينها عدن وأبين ومأرب، بما يعزز مؤشرات الانخراط في مواجهة الحوثيين لا التعاون معهم.

ومن منظور منهجي، تؤكد الورقة أن إثبات وجود «تحالف» أو «تخادم» بين الإصلاح والحوثيين يقع على عاتق من يطرح هذه الادعاءات، خاصة في ظل غياب أي أدلة مادية أو وثائق رسمية أو اتفاقات موثقة أو تنسيق عسكري مثبت، مقابل وجود كمّ كبير من الشواهد على حالة العداء والمواجهة بين الطرفين.

وترى الورقة أن هذه الاتهامات تندرج ضمن سياق الحرب الإعلامية والاستقطاب السياسي، وتُستخدم من قبل أطراف متعددة؛ سواء الحوثيين بهدف إضعاف تحالف الإصلاح مع الحكومة الشرعية والتحالف العربي، أو أطراف أخرى توظفها لتبرير استهداف الحزب وإقصائه سياسيًا.

وخلصت الورقة إلى أن التقييم الموضوعي للعلاقة بين الإصلاح والحوثيين يؤكد أنها علاقة قائمة على العداء والمواجهة، وليست تحالفًا أو تخادمًا، رغم وجود بعض محاولات التواصل أو الحوار المحدودة في مراحل مختلفة، والتي لم ترتقِ إلى مستوى أي تحول إستراتيجي في المواقف بين الطرفين.

وتضيف الورقة أن هذا العداء وفقدان الثقة انعكسا بوضوح في المراحل اللاحقة، وصولًا إلى أحداث عام 2014، حيث رافقت التحركات العسكرية للحوثيين في عمران وصنعاء شعارات إعلامية وسياسية صوّرت تحركهم على أنه موجه ضد حزب الإصلاح، ومشايخ آل الأحمر، والجنرال علي محسن، وجامعة الإيمان التي أسسها الشيخ الراحل عبد المجيد الزنداني.

ومع تقدم الحوثيين نحو العاصمة وسيطرتهم عليها في سبتمبر 2014، أصبحت مقرات حزب الإصلاح هدفًا مباشرًا للمليشيا، ليجد الحزب نفسه في مقدمة القوى السياسية التي تحملت كلفة مواقفها الداعمة للدولة والمعارضة لانقلاب الحوثيين، من خلال ما تعرض له من استهداف واعتقالات وخسائر بشرية ومادية.

الاستحواذ وعدم الالتزام بالديمقراطية

وفيما يتعلق بدعاوى الاستحواذ والإقصاء وعدم الالتزام بالمسار الديمقراطي، أكدت الورقة أن التجربة الانتخابية لحزب التجمع اليمني للإصلاح قدّمت مؤشرات متباينة ظاهريًا؛ إذ شارك الحزب في انتخابات عام 1993م وحصل على المرتبة الثانية، قبل أن يتنازل عنها لصالح الحزب الاشتراكي اليمني، في إطار ما اعتبره حرصًا على دعم استقرار الوحدة اليمنية.

وفي انتخابات 1997م حصل الحزب على 53 مقعدًا، ورفض المشاركة في الحكومة رغم العروض المقدمة من السلطة، وهو ما اعتُبر -بحسب الورقة- تعزيزًا لمبدأ التداول السلمي للسلطة، كما شارك لاحقًا في تأسيس تكتل «اللقاء المشترك» مع أحزاب يسارية وقومية، بما يعكس انفتاحًا تحالفيًا واسعًا.

وبعد الانقلاب الحوثي، أسهم الإصلاح، إلى جانب قوى سياسية أخرى، في توسيع الأطر التحالفية عبر تشكيل «التحالف الوطني للأحزاب والقوى السياسية» الداعم للشرعية، الذي استهدف مساندة الدولة واستعادة مؤسساتها وإنهاء الانقلاب، قبل أن يتم تطويره وتوسيعه عام 2025 تحت مسمى «التكتل الوطني للأحزاب والمكونات السياسية».

وترى الورقة أن هذه الوقائع تعكس نمطًا لحزب يلتزم بالقواعد الديمقراطية حتى في الحالات التي لا تصب في مصلحته المباشرة، ويتجه إلى بناء شراكات سياسية مرنة وواسعة وفقًا لمقتضيات المصلحة الوطنية. وفي المقابل، تشير إلى إمكانية توجيه ملاحظات نقدية تتعلق بفترات توتر مع قوى مدنية في بعض المحافظات المحررة، ووجود اتهامات باستخدام النفوذ في بعض السياقات المحلية، بما يستدعي دراسات أكثر تخصصًا لتقييم تلك الحالات.

العنف والمشاركة العسكرية

كما تناولت الورقة اختبار مواقف الإصلاح بشأن الاتهامات المتعلقة بالعنف والمشاركة في النزاعات المسلحة، مشيرة إلى أن بعض الأدبيات تتحدث عن مشاركة الحركة الوطنية ذات المرجعية الإصلاحية -قبل التعددية السياسية- وحزب الإصلاح لاحقًا، في ثلاثة نزاعات رئيسية: حروب المناطق الوسطى (1979–1981)، حرب 1994، والحرب ضد الحوثيين منذ 2014.

وفي المقابل، تؤكد الورقة أن الإصلاح يتمسك بتعريف نفسه كحزب مدني غير مسلح، مشيرة إلى أن الحزب يرى دوره في المرحلة الراهنة ضمن إطار الالتزام بالموقف الوطني للدولة، من خلال توفير «غطاء سياسي ووطني» للعملية العسكرية التي يقودها الشعب، باعتبار أن غياب هذا الغطاء قد يحول المواجهة إلى فعل عسكري مجرد يفتقر إلى الرؤية السياسية الجامعة، في حين يفترض أن يكون النضال العسكري، وفق هذا التصور، مؤطرًا برؤية وطنية تحدد أهدافه ومساراته.

وتشير الورقة إلى أن تحليل أنماط المشاركة المنسوبة للإصلاح في تلك النزاعات يكشف سمات مشتركة، أبرزها أن تلك المشاركات تمت في إطار الاستجابة لنداء الدولة وضمن مؤسساتها الشرعية، وليس باسم الحزب كتنظيم سياسي، بل من خلال أفراد انخرطوا بصفاتهم الاجتماعية ضمن مجتمعاتهم المحلية وتكويناتهم القبلية.

كما لفتت إلى أن هذه المشاركة غالبًا ما تلتها عودة سريعة إلى الحالة المدنية بعد انتهاء المواجهات، كما حدث في مرحلة حروب المناطق الوسطى -قبل تأسيس الحزب- حيث جرى حل التشكيلات المسلحة وإعادة السلاح إلى الدولة.

وأكدت الورقة أن هذا النمط يعكس مقاربة وظيفية ظرفية تقوم على دعم الدولة في أوقات الحرب ضمن إطار الشرعية، دون تبني بنية عسكرية دائمة، وبما يتمايز عن نماذج جماعات مسلحة أخرى احتفظت بتشكيلات عسكرية خارج مؤسسات الدولة، وتحولت إلى كيانات موازية تمثل عبئًا على الدولة ومؤسساتها الشرعية.

الأبعاد السياسية لاتهامات الإصلاح

وأشارت الورقة البحثية إلى أنه لا يمكن فهم الحملات الموجهة ضد حزب التجمع اليمني للإصلاح بمعزل عن سياقاتها السياسية في المراحل المختلفة، إذ إن جزءًا من هذه الاتهامات يتصل بتوظيف سياسي أكثر منه بتقييم موضوعي لسلوك الحزب.

وفي هذا الإطار، يشير تقرير تحليلي إلى أن توظيف «ورقة الإرهاب» ضد الإصلاح بدأ خلال فترة نظام الرئيس السابق علي عبد الله صالح، لا سيما بعد أحداث 11 سبتمبر، حيث استُخدم هذا الملف كأداة ضغط ضمن التفاعلات السياسية الداخلية.

كما اعتبرت الورقة أن حادثة اغتيال القيادي في الحزب الاشتراكي اليمني جار الله عمر خلال مؤتمر الإصلاح عام 2002، ومحاولات ربطها إعلاميًا بالحزب، تمثل نموذجًا على هذا النمط من التوظيف السياسي.

وأضافت الورقة أنه مع انخراط دولة الإمارات العربية المتحدة في إطار التحالف العربي، جرى إعادة إنتاج الخطاب ذاته، ولكن ضمن مقاربة أوسع تستهدف ما يُعرف بـ«الإسلام السياسي» في الإقليم، الأمر الذي يجعل جزءًا من الاتهامات الموجهة للإصلاح، وفق هذا الطرح، مرتبطًا بسياقات الصراع السياسي الإقليمي أكثر من كونه تقييمًا مباشرًا لسلوك الحزب أو ممارساته.

وخلصت الورقة إلى أن من أبرز المدخلات العملية لفهم مواقف الإصلاح، بعيدًا عن خطاب الحزب ذاته أو الاتهامات الموجهة إليه، يتمثل في العودة إلى قراءة تاريخه السياسي وعلاقاته مع مختلف الفاعلين المحليين والإقليميين والدوليين، ويشمل ذلك حجم اللقاءات والاتصالات التي جمعت قيادات الحزب وكوادره بممثلي البعثات الدبلوماسية والسفراء المعتمدين لدى اليمن، والتي جرت في إطار الدستور والقانون اليمني، إلى جانب تتبع مواقف وتقييمات تلك الأطراف الدولية والإقليمية تجاه الحزب وأدواره في مختلف القضايا.