الأربعاء 22-04-2026 02:07:32 ص : 5 - ذو القعدة - 1447 هـ
آخر الاخبار

قحطان في الذاكرة اليمنية.. غياب الجسد وحضور الفكرة والنهج

الأحد 05 إبريل-نيسان 2026 الساعة 08 مساءً / الإصلاح نت - خاص

 

تطل علينا الذكرى الحادية عشرة لاختطاف الأستاذ محمد قحطان، عضو الهيئة العليا للتجمع اليمني للإصلاح، في الخامس من أبريل، لتفتح جرحاً نازفاً في ذاكرة اليمنيين السياسية والحقوقية، وتُسلط الضوء من جديد على واحدة من أبشع جرائم الإخفاء القسري في التاريخ المعاصر. فمنذ ذلك اليوم من عام 2015، حين اختطفته عناصر تابعة لمليشيا الحوثي إلى زنازينها، دخل قحطان في "ثقب أسود" من العزلة التامة، حيث حُرم من أبسط حقوقه الإنسانية في التواصل مع أسرته أو معرفة وضعه الصحي، في تحدٍ صارخ لكل القوانين الدولية والشرائع السماوية.
ولا يعد محمد قحطان مجرد قيادي في حزب سياسي، بل كان يُنظر إليه كـ"مهندس للتوافقات الوطنية" وعقل مدبر للعمل السياسي السلمي الذي سعى لتقريب وجهات النظر بين مختلف التيارات اليمنية، فتغييبه القسري طوال عقد ونيف لم يكن مجرد استهداف لشخصه، بل كان محاولة لاغتيال فكرة الحوار واستبدالها بلغة السلاح.
واليوم ومع استمرار هذه المأساة، تظل قضية قحطان هي "المعيار الأخلاقي" الحقيقي لأي محادثات سلام، والاختبار الأصعب لمدى جدية المجتمع الدولي والمبعوثين الأمميين في إنهاء ملف الأسرى والمختطفين، فهي ذكرى تتجاوز الوجع الشخصي لأسرة قحطان، لتصبح قضية رأي عام تمثل تطلعات شعب يرفض أن تُدفن أصوات الحكمة خلف قضبان النسيان.

صمام الأمان

ولم يكن الأستاذ محمد قحطان مجرد قيادي حزبي تقليدي، بل كان يُلقب بحق "مهندس التوافقات الوطنية" و"مايسترو" العمل السياسي المشترك في اليمن. فقد تجلت عبقريته السياسية في قدرته الفائقة على ترويض الخلافات الأيديولوجية العميقة وتحويلها إلى نقاط التقاء، حيث لعب الدور المحوري في تأسيس تكتل "اللقاء المشترك"، وهو التحالف الذي نجح في جمع أطياف متناقضة تحت مظلة وطنية واحدة.
وقد امتلك قحطان رؤية ثاقبة تؤمن بأن السياسة هي "فن الممكن"، وأن الحوار هو الحل الوحيد القادر على بناء دولة مدنية حديثة بعيداً عن صخب السلاح. وبفضل مرونته السياسية وذكائه في بناء الجسور، استطاع تحويل الصراعات الصفرية إلى مساحات للتفاهم، مما جعله يمثل "صمام أمان" للعملية السياسية اليمنية في أحلك الظروف.
إن تغييبه القسري منذ أبريل 2015 لم يكن مجرد اختطاف لشخص، بل كان محاولة متعمدة لتجريف الحياة السياسية وإفراغها من عقولها المفكرة التي تؤمن بالشراكة والتعددية، وبغيابه فقدت الطاولة السياسية اليمنية لغة الحوار المتزنة، وحل منطق القوة محل قوة المنطق، مما يثبت أن قحطان كان وما يزال يمثل "العقل" الذي يخشاه خصوم السياسة، والرمز الذي يفتقده اليمنيون لإعادة لم شتات وطنهم الممزق.

القانون على المحك

ينتقل ملف الأستاذ محمد قحطان من كونه قضية سياسية إلى كونه واحدة من أكثر القضايا انتهاكاً لحقوق الإنسان في العصر الحديث، حيث يُصنف ما تعرض له قانونياً كـ"جريمة إخفاء قسري" مكتملة الأركان. فوفقاً للقانون الدولي الإنساني ونظام روما الأساسي، يُعتبر الإخفاء القسري جريمة ضد الإنسانية عندما يُمارس بشكل ممنهج، وهو ما يتجسد في حالة قحطان الذي حُرم منذ عام 2015 من أبسط حقوقه الأساسية؛ كالحق في معرفة مكان احتجازه، أو التواصل مع أسرته، أو الحصول على تمثيل قانوني ورعاية طبية.
ويمثل استمرار تغييب قحطان لأكثر من 11 عاماً في "عزلة مطلقة" تحدياً صارخاً لـ"الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الإخفاء القسري"، إذ تضع هذه الجريمة الجهات المسؤولة في مواجهة مباشرة مع العدالة الدولية، كونها "مستمرة" ولا تسقط بالتقادم طالما ظل مصير الضحية مجهولاً، إلى جانب قصور الأداء الحقوقي الدولي الذي فشل في الضغط لانتزاع "دليل حياة" أو السماح للجنة الدولية للصليب الأحمر بزيارته.
ولا يمكن من المنظور الحقوقي التعامل مع قضية قحطان كبندٍ في صفقات التبادل السياسي، بل يجب أن تُطرح كقضية مبدئية غير قابلة للتفاوض، لأن القبول بإخفاء قسري بهذا الحجم يشرعن لنمط من الانتهاكات يهدد سلامة جميع المدنيين في مناطق النزاع، كما أن إنهاء هذه المأساة هو المدخل الوحيد لاستعادة الثقة بقيمة القانون والكرامة الإنسانية في اليمن.

أداة للابتزاز

يتجاوز ملف الأستاذ محمد قحطان كونه مجرد بند في قوائم الأسرى، ليتحول إلى "الرقم الصعب" والمؤشر الحقيقي لمدى تعثر أو نجاح أي مسار تفاوضي بين الحكومة الشرعية ومليشيا الحوثي. فمنذ صدور قرار مجلس الأمن رقم 2216، الذي نص صراحة على الإفراج عن القادة الأربعة، كان قحطان هو الاستثناء الوحيد الذي ظل رهن الإخفاء، بينما نال رفاقه الثلاثة (اللواء محمود الصبيحي، واللواء ناصر منصور هادي، واللواء فيصل رجب) حريتهم في صفقات تبادل سابقة، حيث كشف هذا الانتقاء في الإفراج بوضوح كيف يُستخدم قحطان كأداة للابتزاز السياسي وورقة ضغط إستراتيجية أخيرة يحتفظ بها الخاطفون للمراحل الأكثر تعقيداً.
وفي كل جولات المفاوضات من ستوكهولم إلى عمان وجنيف، كان اسم قحطان يمثل حجر العثرة الذي يصطدم به الوسطاء الدوليون؛ نتيجة رفض مليشيا الحوثي تقديم أي معلومة حقيقية عن وضعه أو السماح بزيارته، وهو ما يفسره مراقبون بأنه إدراك لمدى الثقل الرمزي والسياسي الذي يمثله كقائد مدني، فاستمرار استثناء قحطان من التفاهمات يكشف عن "فيتو" غير معلن يهدف إلى إطالة أمد غياب العقل السياسي المدني عن المشهد، مما يجعل من ملفه العقدة الكأداء في منشار التسوية السياسية، والمحك الحقيقي الذي يقيس مدى جدية الأطراف في الوصول إلى حل نهائي ينهي مأساة المختطفين كافة.

11 عاما من الغياب

وفي قلب مأساة الاختطاف، يبرز الجانب الإنساني كأكثر الزوايا إيلاماً وعمقاً، حيث تمتد معاناة عائلة الأستاذ محمد قحطان لأكثر من 11 عاماً من الغياب القسري والانتظار المرير، فليست القضية هنا مجرد أرقام في ملفات سياسية أو بنود في طاولات التفاوض، بل هي قصة إنسانية لزوجة وأبناء وأحفاد يعيشون في حالة من "اللايقين" المدمر، حيث يُحرمون حتى من أبسط الحقوق الفطرية كسماع صوت عائلهم أو الاطمئنان على تنفسه تحت وطأة هذا الصمت المطبق.
وتتجلى بشاعة هذا الجانب أيضا في حرمان أحفاد السياسي محمد قحطان من معرفة جدهم إلا عبر الصور المعلقة على الجدران، وفي كفاح عائلته لإبقاء قضيته حية رغم تلاحم الأزمات، إذ إن الإصرار على منع الاتصال أو الزيارة، هو ضرب عرض الحائط بكل القيم الأخلاقية والأعراف القبلية والشرائع السماوية، ويعكس رغبة في "إعدام" الضحية معنوياً ونفسياً قبل كل شيء.

حضور متصاعد

ويعد الجانب الرمزي أحد أعمق الزوايا في قضية الأستاذ محمد قحطان، إذ يتجاوز كونه مجرد شخص مخفي قسراً ليصبح أيقونة للمشروع المدني السلمي في مواجهة مشاريع العنف والسلاح. ففي اللحظة التي اختُطف فيها قحطان، كان الخاطفون يحاولون في الحقيقة اختطاف "الفكرة" التي يمثلها؛ فكرة أن السياسة هي فن إدارة الاختلاف بالكلمة والحجة، لا بالبندقية والدبابة.
فقد كان قحطان يجسد الدولة بمؤسساتها وقوانينها، بينما كان خصومه يمثلون نقيضها تماماً، ومن هنا اكتسبت قضيته هذه الرمزية الطاغية؛ فغيابه لم يكن مجرد غياب لسياسي بارع، بل كان إعلاناً قسرياً عن بدء زمن "ضجيج الرصاص" وإسكات "صوت العقل".
ويمثل قحطان اليوم في الذاكرة اليمنية ذلك السياسي الأعزل الذي أرعب "المدججين بالسلاح" بيقينه المطلق بلغة الحوار، فإصرار المليشيا الخاطفة على تغييبه هو اعتراف ضمني بهزيمة منطقهم أمام منطقه. فالسلاح قد ينجح في حجز الجسد خلف القضبان، لكنه يفشل تماماً في سجن الرمزية التي يمثلها كقائد مدني يؤمن بالشراكة والتعددية.

فخ المداهنة

وبينما تطوي قضية القيادي البارز محمد قحطان عامها الحادي عشر في دهاليز الإخفاء القسري، يبرز أداء المبعوثين الدوليين للأمم المتحدة كأحد أكثر الملفات إثارة للجدل والنقد في المشهد اليمني، حيث يبدو أن الدور الأممي قد وقع في فخ المداهنة السياسية على حساب المبادئ الإنسانية والقانونية، فالمتابع لمسار المفاوضات منذ جولات "جنيف" وصولاً إلى "ستوكهولم" وما بعدها، يلحظ بوضوح أن المبعوثين المتعاقبين أخفقوا في تحويل القرارات الدولية، وعلى رأسها القرار 2216 الذي نص صراحة على إطلاق سراح قحطان، إلى واقع ملموس، بل إنهم ساهموا من حيث يشعرون أو لا يشعرون في تحويل هذه القضية من استحقاق حقوقي غير قابل للتفاوض إلى مجرد ورقة مقايضة سياسية يتم ترحيلها من جدول أعمال إلى آخر.
هذا الأداء الأممي المتراخي لم يفشل فقط في كسر جدار الصمت حول مصير قحطان، بل إنه أعطى إشارة سلبية مفادها أن الإخفاء القسري يمكن أن يمر دون عواقب دولية حقيقية ما دام الانخراط في "عملية السلام" مستمراً، لتظل معاناة قحطان شاهدة على فجوة هائلة بين شعارات الأمم المتحدة حول حقوق الإنسان وبين ممارسات مبعوثيها الذين غلبوا الترضيات السياسية الهشة على قيم العدالة والحرية.

تضامن مستمر

وتمثل حملات التضامن الشعبي والرقمي السنوية، التي تنطلق بذكاء وإصرار تحت وسوم مختلفة مثل #الحرية_لقحطان و #FreeQahtan، خط الدفاع الأخير والمحرك الأساسي الذي حال دون اندثار قضية القيادي محمد قحطان في غياهب النسيان.
ففي ظل تراكم الأزمات وتعدد الصراعات التي عصفت بالذاكرة الجمعية اليمنية، نجح النشطاء والحقوقيون في تحويل الفضاء الرقمي إلى منصة ضغط مستمرة تتجاوز حدود الزمن والجغرافيا، إذ إن هذه الحملات لم تكن مجرد طقس سنوي عابر، بل تحولت إلى "مانيفستو" شعبي يرفض التسليم بجريمة الإخفاء القسري كأمر واقع، حيث ساهم التفاعل الرقمي الواسع في إبقاء اسم قحطان حاضراً في صدارة المشهد السياسي والإعلامي، مما أجبر الفاعلين الدوليين والمحليين على وضع ملفه في مقدمة أي نقاش يتعلق بتبادل الأسرى والمعتقلين.
فقد أحدثت هذه التعبئة الرقمية نوعاً من "الأنسنة" للقضية، فحولتها من رقم في كشوفات المفقودين إلى قصة ضمير وطني تلهم الأجيال الصاعدة وتذكرهم بثمن الكلمة والموقف السياسي، كما شكلت سداً منيعاً أمام محاولات "التطبيع" مع غيابه، مؤكدة أن تقادم السنين لا يسقط الحق في الحرية ولا يمنح الخاطفين صك الغفران، حيث إن قوة هذا التضامن تكمن في قدرته على الربط بين عدالة القضية الفردية وبين تطلعات الشعب اليمني نحو دولة القانون والمواطنة، مما جعل من صمود قحطان ورمزية ثباته وقوداً لاستمرار الوعي المجتمعي بضرورة إنهاء ملفات الإخفاء القسري كافة.

الوجه المدني الناضج

وتتضافر الشهادات السياسية والحقوقية لترسم صورة متكاملة عن حجم الفقد الوطني الذي خلفه غياب الأستاذ محمد قحطان، حيث يصفه الدكتور أحمد عبيد بن دغر بأنه "رمز الوطنية الصادقة ورجل التوافق والشراكة"، مؤكداً أن اختطافه يعكس "الفجور والغلو في الكراهية للأصوات الحرة".
وفي ذات السياق، يشدد وزير الإعلام معمر الإرياني على أن إخفاء قحطان لسنوات دون تهمة أو محاكمة هو "دليل على النهج الإرهابي" الذي يستهدف رموز التعددية.
ومن منظور فكري، يرى أحمد الشاووش أن قحطان يمثل "الوجه المدني الناضج" وخط الدفاع الأول عن الدولة، وهو ما يعضده الناشط عثمان محمود الذي اعتبره مناضلاً استنهض في الشعب "غريزة البقاء ووعي الكرامة" لمواجهة قهر الحاكم الأوحد.
أما على صعيد المسؤولية السياسية، فيصف الكاتب أحمد عثمان تجاهل هذا الرمز بأنه "عار على الشرعية"، فيما يذهب الباحث نبيل البكيري ووكيل وزارة الإعلام عبد الباسط القاعدي إلى أبعد من ذلك، باعتبار أي تفاوض يتجاوز قحطان "عملية نخاسة وعهر سياسي" وانتقاصاً من رمزية قضية المختطفين.
ويؤكد الصحفي محمد الجماعي وبنبرة من الاعتزاز، أن قحطان هو "معلم اليمنيين معاني الحرية" ورموز شموخهم التي لا تُستجدى من أحد.
هذا الإجماع من مختلف النخب يؤكد أن قضية قحطان ليست مجرد ملف حقوقي، بل هي قضية رأي عام تمثل روح الجمهورية وقيم الحرية، وهي كما يراها هؤلاء "المعيار الأخلاقي" الذي لن يسقط بالتقادم ولن يطويه النسيان مهما طالت سنوات العزل.

كلمات دالّة

#اليمن