فيس بوك
جوجل بلاس
بين الوساطة السياسية وحماية الحق في الحياة.. ما حدود الدور الأممي تجاه الانتهاكات الجسيمة في اليمن؟
عضو مجلس القيادة الرئاسي الدكتور عبدالله العليمي يستقبل عددًا من القيادات الجنوبية
الإصلاح يثمن الدعم السعودي المتواصل ويعتبره مساهمة في معركة استعادة الدولة وبناء مؤسساتها
التكتل الوطني يثمن المنحة السعودية والمشاريع الحيوية التي تدعم صمود المجتمع اليمني وتعزز حضور الدولة
رئيس إعلامية الإصلاح: سيسجل التاريخ أن المملكة كانت حائط الصد في حماية الدولة الوطنية العربية
ناطق الإصلاح: همّنا استعادة الدولة وترسيخ سلطتها لإنهاء المشروع الحوثي الذي يستهدف الإنسان
دائرة الإعلام والثقافة بالإصلاح تنعى الشاعر والأديب والتربوي عبدالفتاح جمال
عبد الله العليمي يثمن تصريح وزير الدفاع السعودي والدور القيادي للمملكة في رعاية الحوار الجنوبي

تقف محافظة مأرب اليوم كحائط صد إستراتيجي ومنيع في وجه التحديات الأمنية المعقدة التي تعصف باليمن، مؤكدةً من خلال واقعها الميداني والسياسي أنها القلعة الجمهورية التي تكسرت على أسوارها أطماع الإرهاب بشقيه: التطرف العقائدي الذي يمثله تنظيم القاعدة، والإرهاب الميليشياوي العنصري الذي تقوده مليشيا الحوثي، إذ إن الدور الذي تلعبه مأرب يتجاوز الدفاع العسكري إلى كونه نموذجاً أمنياً نجح في دحض كافة التهم والمزاعم المضللة التي حاولت وصم المحافظة وأبنائها بدعم التطرف.
لقد أثبتت الأجهزة الأمنية في مأرب، مدعومةً بوعي قبلي منقطع النظير، أن المجتمع المأربي هو البيئة الأكثر طرداً للعناصر التخريبية، فبينما يحاول الحوثيون استخدام فزاعة "القاعدة" لتبرير غزوهم للمحافظة والسيطرة على مقدراتها النفطية، تأتي الحقائق لتكشف أن مأرب هي من خاضت أشرس المعارك لتطهير مناطقها من خلايا التنظيم، وهي ذاتها التي أحبطت مئات المخططات الإرهابية الحوثية، التي استهدفت المدنيين والنازحين.
وسطية ونضال
ويمثل احتضان المحافظة لقرابة 4 ملايين نازح فروا من بطش المليشيا الحوثية، أبلغ رد على تلك الافتراءات؛ إذ لا يمكن لبيئة "حاضنة للإرهاب" أن تكون الملاذ الأول للأمان والتعايش في اليمن.
وتكرس تضحيات أبناء مأرب ورجال القبائل في ميادين الشرف، جنباً إلى جنب مع مؤسسات الدولة، حقيقة واحدة وهي أن مأرب الحارس الأمين لمكتسبات الوطن والخط الدفاعي الأخير الذي يحمي الهوية الوطنية من شبح الإرهاب والتمزق.
وبالتوازي مع المعركة العسكرية، خاضت مأرب معركة فكرية لا تقل أهمية عن غيرها من المعارك، حيث تحولت من محافظة نائية إلى مركز إشعاع تنويري يحتضن النخبة من المثقفين والكوادر الأكاديمية والسياسية، ليساهم هذا الانصهار بين المجتمع المحلي والنازحين من شتى أنحاء اليمن في صياغة عقيدة وسطية معتدلة، تجسدت في سلوك حضاري يرفض الغلو والتطرف بكافة أشكاله، إذ لم تكتفِ مأرب بالتنسيق الأمني والعسكري فحسب، بل استثمرت في الثقافة والتعليم كأدوات حصانة وطنية، فاحتضان الجامعات والفعاليات الثقافية والمنهج الوسطي في الخطاب الديني والإعلامي داخل المحافظة، خلق بيئة مرنة تتعايش فيها كافة الرؤى الوطنية، مما جعل من مأرب نموذجاً للدولة المدنية المنشودة، ومنطلقاً لترسيخ قيم الحوار والاعتدال في مواجهة الكهنوت الحوثي والأفكار المتطرفة والدخيلة.
رؤية استباقية
لا يمكن فهم صمود مأرب اليوم دون العودة إلى الأساسات التي وضعها اللواء سلطان العرادة، عضو مجلس القيادة الرئاسي ومحافظ المحافظة منذ وقت مبكر، ففي العام 2014 أجرى العرادة حواراً تاريخياً مع صحيفة «الشرق الأوسط»، وضع فيه النقاط على الحروف قبل أن تنزلق البلاد إلى أتون الحرب الشاملة.
في ذلك الوقت، كان العرادة يدرك تماماً حجم المخاطر المحيطة، حيث أكد أن إدارته تعمل وفق خطة طموحة في اتجاهين متوازيين: الأول هو حفظ الأمن وضبط المنافذ الإستراتيجية للمحافظة، والثاني هو تحقيق التنمية الاقتصادية لمواجهة الأوضاع المعيشية المتردية التي يستغلها المتطرفون عادة لاستقطاب الشباب، وأعلن العرادة بوضوح أن مأرب لن تكون "منطلقاً لأي مخرب"، وأن الدولة تجاهد بكل قوتها لمنع تنظيم القاعدة من إقامة أي معسكرات في المحافظة، كما حدث في محافظات أخرى.
هذا الموقف المبكر أثبت أن قيادة مأرب كانت تمتلك "رؤية استباقية"؛ حيث اعتبر العرادة أن تنظيم القاعدة هو "تنظيم عالمي" يستغل حالات الفوضى والانهيار الأمني، مشدداً على دور "عقلاء القبائل" في حماية مناطقهم وتفويت الفرصة على من يريد تحويل مأرب إلى ساحة للصراع، فقد كانت مأرب، حتى قبل الانقلاب الحوثي، تخوض معركتها ضد المخربين الذين استهدفوا أبراج الكهرباء وأنابيب النفط، وهي أعمال تخريبية صنفتها السلطات في مأرب كشكل من أشكال الإرهاب الذي يجب استئصاله.
شريك استقرار دولي
ومع اجتياح المليشيا الحوثية للعاصمة صنعاء في سبتمبر 2014 وتمددها اللاحق، شهدت مأرب في فبراير من العام 2015 منعطفاً تاريخياً حاسماً، تمثل بلقاء موسع ضم قيادات عسكرية وأمنية من أبناء المحافظة، أعلن هؤلاء القادة عن رفضهم القاطع لتحويل القوات المسلحة إلى "غنيمة" للجماعات المسلحة، سواء كانت مليشيا الحوثي أو تنظيم القاعدة، فقد رسم ضباط مأرب في ذلك اليوم ملامح "الممانعة الأشد"؛ حيث رفضوا الاستسلام أو تسليم القطع العسكرية للمليشيات، وأكدوا التزامهم بالقسَم العسكري لحماية المنشآت الحيوية والمكتسبات الوطنية، فالاجتماع لم يكن مجرد استعراض عسكري، بل كان تأسيساً لـ"الجبهة الوطنية الموحدة" التي نراها اليوم، فقد أثبت ضباط مأرب أنهم الحراس الحقيقيون للدولة، بعيداً عن التبعيات الحزبية أو الطائفية، موجهين رسالة واضحة للعالم أن مأرب هي حصن الجمهورية المنيع الذي يحمي مقدرات الشعب ويكافح الإرهاب بجميع صوره.
وعلى نقيض حملات التشويه، تبرز مأرب كشريك إستراتيجي للمجتمع الدولي في ملف مكافحة الإرهاب، ويعد اللقاء الأخير في نوفمبر 2025 بين اللواء سلطان العرادة والقائم بأعمال السفارة الأمريكية لدى اليمن، جوناثان بيتشا، دليلاً دامغاً على هذه الشراكة. فخلال هذا اللقاء، جرى التأكيد على أهمية تعزيز التعاون الأمني والسياسي والاقتصادي، مع تركيز خاص على "مكافحة الإرهاب والتهريب".
وتعكس دعوة العرادة لتعزيز هذه الشراكة وعي القيادة المأربية بأن أمن المحافظة هو جزء لا يتجزأ من الأمن الإقليمي والدولي، فمحافظة مأرب لا تكتفي بضبط الأمن الداخلي، بل تعمل كـ"حائط صد" يمنع تهريب الأسلحة والممنوعات التي تغذي آلة الحرب الحوثية، وتنسق استخباراتياً مع الشركاء الدوليين لملاحقة العناصر المتطرفة التي تحاول التخفي في المناطق النائية، كما أن الضربات الجوية الدقيقة التي استهدفت قيادات إرهابية في أطراف مأرب هي في الواقع نتيجة لهذا "التنسيق الاستخباراتي العالي" وليست دليلاً على وجود بيئة حاضنة، فالعناصر الإرهابية في مأرب تعيش حالة مطاردة مستمرة وخنق أمني يضيق يوماً بعد يوم.
ابتزاز مكشوف
وقد وظف الحوثيون ورقة الإرهاب لتحقيق ثلاثة أهداف: شرعنة الغزو العسكري عبر إيهام المجتمع الدولي أن معركتهم هي ضد "الإرهاب" وليست ضد الشعب اليمني والجمهورية، وابتزاز واشنطن للحصول على امتيازات سياسية ورفع القيود الدولية عن المليشيا، وغسل السمعة من تهم التنسيق اللوجستي وتبادل الأسرى مع القاعدة التي تم توثيقها في سجون صنعاء والبيضاء.
بيد أن الحقيقة التي يغفلها المحرضون هي أن مأرب كانت من أذاق القاعدة مرارة الهزيمة في "المنين" و"الفاو" و"عبيدة"، بينما يستخدمهم الحوثي كـ"قربان سياسي" أو كغطاء لتنفيذ عمليات إرهابية داخل مأرب للصقها بالشرعية، تماماً كما فعلوا بمسرحية تفجير المساجد والمقار الأمنية في صنعاء لتمهيد الطريق لاجتياح العاصمة عام 2014.
وتثبت الوقائع الميدانية وجود علاقة "نفعية وتخادمية" بين الحوثيين والقاعدة، حيث يتخذ التنظيم من مناطق سيطرة الحوثيين في البيضاء منطلقاً لعملياته التي تستهدف حصراً المناطق المحررة، وفي مقدمتها مأرب وشبوة، فقد رصدت الأجهزة الأمنية في مأرب تسلل عناصر انتحارية قدمت من مناطق الحوثيين، وتم ضبط خلايا تخريبية اعترفت بتلقي توجيهات من غرف عمليات مشتركة تهدف لزعزعة استقرار مأرب من الداخل بعد عجز المليشيا عن هزيمتها في الجبهات.
هذا التنسيق يمتد إلى "تبادل الأدوار الإعلامية"؛ فحين تشن المليشيا حملة تشويه ضد مأرب، تظهر بيانات مشبوهة منسوبة للقاعدة تدعي مواجهة الحوثيين في مأرب، في مسرحية هزلية مكشوفة تهدف لضرب سمعة المقاومة الشعبية والقبائل المأربية ووصمها بالتطرف أمام الدوائر الأمنية العالمية.
وتعتبر مأرب القلعة الصامدة في وجه الإرهاب والانقلاب، حيث تثبت الوقائع الميدانية أن محافظة مأرب ليست مجرد جغرافيا عابرة، بل هي حائط الصد المنيع والخط الدفاعي الأول عن الجمهورية. وخلافاً للدعايات المضللة، أثبتت مأرب أنها البيئة الأكثر طرداً للأفكار المتطرفة، حيث نجحت مؤسساتها الأمنية وقبائلها في تفكيك خلايا الإرهاب وتعقب عناصره.
وتمثل مأرب اليوم العمق الإستراتيجي للدولة المدنية، فهي تخوض معركة مزدوجة: الأولى ضد المشروع الحوثي المدعوم إيرانيًا، والثانية ضد التنظيمات الإرهابية التي تحاول استغلال ثغرات الحرب.
تلاحم اجتماعي صلب
وقد تعرضت محافظة مأرب لسلسلة من الحملات الإعلامية الممنهجة التي سعت لتشويه صورتها كمعقل للجمهورية، حيث استخدمت أطراف الصراع، وعلى رأسها مليشيا الحوثي، "فزاعة الإرهاب" كأداة سياسية لتبرير هجماتها العسكرية، وركزت هذه التهم الزائفة على محاولة وصم المحافظة بأنها "إمارة متطرفة" أو "مأوى لعناصر القاعدة"، في محاولة لتقديم أنفسهم للعالم كشريك في مكافحة الإرهاب، بينما الواقع يثبت أن مأرب هي من واجهت تلك التنظيمات وطردتها.
ولم تتوقف الحرب الإعلامية عند اتهامات الإرهاب، بل شملت حملات تحريضية تستهدف النسيج الاجتماعي عبر بث الشائعات حول معاملة النازحين، أو الادعاء بوجود اختلالات أمنية بهدف زعزعة الثقة بين المجتمع المحلي والسلطة الشرعية، حيث تهدف هذه الافتراءات بالدرجة الأولى إلى عزل مأرب سياسياً وكسر صمودها الشعبي، إلا أن الحقيقة ظلت أقوى من الضجيج؛ فالمحافظة التي تستضيف الملايين من مختلف التوجهات والمناطق، أثبتت أنها النموذج الأرقى للدولة والمؤسسات، محولةً تلك التهم إلى شهادات فخر بصمودها في وجه كل مشاريع الهدم والفوضى.
حملات التشويه والتحريض التي تشنها مطابخ إعلامية معينة ضد مأرب لا تستهدف المحافظة كجغرافيا فحسب، بل تستهدف "الرمزية الجمهورية" التي تمثلها، فوصم مأرب بالإرهاب يخدم أجندة الحوثي في عدة أمور منها عزل مأرب دولياً، وتجفيف منابع الدعم الإنساني والعسكري عنها، وضرب الجبهة الوطنية الموحدة، عبر زرع الشكوك بين المكونات الوطنية المناهضة للانقلاب، وإضعاف ثقتها في "قلعة الصمود"، وتفتيت اللحمة المجتمعية، عبر تصوير الصراع في مأرب كأنه صراع مع جماعات متطرفة وليس معركة شعب ضد جماعة انقلابية متمردة، مما يمهد الطريق للمشروع الانقلابي للاستفراد بالمحافظات اليمنية واحدة تلو الأخرى.
تنسيق عملياتي
وفي الوقت الذي تحاول فيه مليشيا الحوثي استثمار "فزاعة" القاعدة لتشويه صورة مأرب وصمودها، تكشف الوقائع الميدانية والتقارير الاستخباراتية عن تحالف خفي وتنسيق عملياتي عميق بين الجماعة المتمردة والتنظيمات الإرهابية، فبينما تُحارب مأرب الإرهاب بجدية، تحولت محافظة البيضاء الخاضعة لسيطرة الحوثيين إلى معقل وممر آمن لعناصر القاعدة بتسهيل حوثي مباشر، فقد أثبتت التقارير الدولية، ومنها تقارير خبراء الأمم المتحدة، وجود عمليات "تبادل أسرى" مشبوهة بين الحوثيين والقاعدة، وإطلاق سراح قيادات إرهابية من السجون في صنعاء مقابل تنفيذ عمليات تخريبية في المناطق المحررة.
هذا التخادم يهدف إلى زعزعة استقرار مأرب من الداخل بعد فشل الحوثيين في اقتحامها عسكرياً، فاستضافة الحوثيين لعناصر القاعدة في مناطق سيطرتهم وتزويدهم بالدعم اللوجستي يدحض مزاعمهم بمحاربة الإرهاب، ويؤكد أن مأرب هي الضحية والمقاوم الحقيقي لهذا التحالف الإرهابي المزدوج الذي يسعى لتقويض الدولة اليمنية وهويتها الوطنية.
تزييف الواقع الميداني
إن كل صوت ينساق وراء هذه الشائعات إنما يساهم -بعلم أو من دون علم- في إسناد المشروع الحوثي وتفتيت اللحمة الوطنية، في وقت تتطلب فيه المرحلة رص الصفوف خلف القلعة التي منعت سقوط اليمن كاملاً في وحل الارتهان. وبدلاً من الانجرار خلف اتهامات كيدية تخدم المتربصين بالوطن، تقتضي المسؤولية التاريخية توحيد كافة الجهود السياسية والعسكرية لدعم مأرب في معركتها المصيرية المزدوجة، كما أن تعزيز قدرات مأرب الأمنية والعسكرية هو الضمانة الحقيقية لاستئصال شأفة الإرهاب وكسر التمدد الحوثي، مما يجعل من دعم هذه القلعة الجمهورية أولوية قصوى لتثبيت دعائم الاستقرار واستعادة الدولة المختطفة. إضافة إلى ذلك، فالانسياق خلف حملات التشويه ضد مأرب ليس مجرد خطأ إعلامي، بل هو انتحار سياسي يهدد مستقبل الجميع، كما يعني ضياع آخر آمال استعادة الدولة المختطفة.
وفي إطار سعيها المحموم لكسر صمود محافظة مأرب، لم تكتفِ مليشيا الحوثي الانقلابية بالحشود العسكرية، بل أطلقت في مارس 2021 ما يمكن تسميته "حرب المعلومات السوداء". ومن خلال جهاز مخابراتها، عمدت المليشيا إلى فبركة ملفات استخباراتية تزعم وجود هيكل تنظيمي لتنظيم القاعدة داخل مأرب، في محاولة بائسة لتزييف الواقع وتضليل الرأي العام الدولي.
هذا المخطط لم يكن إلا "ستاراً دخانياً" يهدف لشرعنة الهجمات الانتحارية على المحافظة، وتصوير الغزو الحوثي كأنه عملية لمكافحة الإرهاب، بينما الحقيقة الصارخة تؤكد أن محافظة البيضاء الواقعة تحت سيطرة الحوثيين قد تحولت إلى معقل آمن ومسرح عملياتي محصن لعناصر التنظيم، تحت رعاية لوجستية مباشرة من المليشيا الحوثية.
مأرب..الفكرة الوطنية
تتبدّى مأرب بوصفها أكثر من محافظة صامدة أو جبهة مواجهة عسكرية؛ إنها فكرة وطنية متكاملة، وتجسيد حيّ لمعنى الدولة حين تتعرض للاختطاف، ومعنى الجمهورية حين تُحاصر بالمشاريع السلالية والمتطرفة.
لقد أثبتت الوقائع، عبر سنوات من الاستهداف والحصار والحملات الإعلامية الممنهجة، أن مأرب لم تكن يوماً عبئاً على الدولة، بل كانت ركيزتها الأخيرة وسندها الأقوى في أحلك الظروف، فمن رحم التحديات، تشكّل نموذج مأربي فريد جمع بين الصلابة الأمنية، والوعي القبلي، والانفتاح الفكري، والاحتضان الإنساني لملايين النازحين، في لوحة نادرة التقت فيها قيم الجمهورية مع مقتضيات الواقع.
ولم يكن استهداف مأرب عسكرياً وإعلامياً وسياسياً، إلا استهدافاً لفكرة الدولة ذاتها، ومحاولة لإسقاط آخر معاقلها الفاعلة، غير أن هذه القلعة أثبتت أن الإرادة الوطنية حين تتكئ على رؤية واعية وقيادة مسؤولة ومجتمع متماسك، قادرة على إفشال أخطر المشاريع وأكثرها ظلامية، ومن هنا، فإن دعم مأرب لا ينبغي أن يُفهم كاصطفاف جغرافي أو سياسي ضيق، بل كواجب وطني جامع، وأولوية إستراتيجية لإنقاذ اليمن من الانزلاق النهائي إلى الفوضى والارتهان. فمأرب بصمودها لا تدافع عن نفسها فحسب، بل تحرس ما تبقى من حلم الدولة، وتبقي باب الأمل مفتوحاً أمام يمنٍ جمهوريٍ آمنٍ ومستقر.