فيس بوك
جوجل بلاس
مجلس النواب يشدد على الغاء إجراءات الانتقالي الأحادية خارج إطار التوافق الوطني والمرجعيات
عبدالله العليمي: الحكومة بحاجة لمزيد من الدعم والتمكين لتنفيذ خطط التعافي
نساء تحت النار.. حصاد عقد من العنف الحوثي الممنهج ضد المرأة اليمنية
التجمع اليمني للإصلاح.. حضور فاعل في العمل الوطني وتنشيط للحياة السياسية
منسقية الأحزاب بحضرموت ترحب بمبادرة المحافظ للتهدئة وترفض استقدام أي قوات من خارج المحافظة
تعز تحيي ذكرى الجلاء بمسيرة حاشدة وتطالب برعاية الجرحى واستكمال التحرير
عبدالله العليمي يجدد التأكيد في ذكرى الاستقلال على أهمية توحيد الصف الوطني لمواجهة التحديات
أمين عام الإصلاح يعزي رئيس تنفيذي الحزب في البيضاء بوفاة شقيقه
تقرير فريق الخبراء: الحوثيون من سلطة أمر واقع إلى منظومة قمع وإرهاب ممنهج

منذ أن أحكمت مليشيا الحوثي سيطرتها على مؤسسات الدولة في صنعاء عام 2014، لم يكن القضاء بمنأى عن خطة المليشيا لإعادة تشكيل المشهد وفقًا لأجندتها، فقد تحول صرح العدالة الذي يفترض أن يكون محايداً إلى أداة طيعة في يد سلطة المليشيا، وذلك عبر عملية ممنهجة وطويلة الأمد لتفكيك استقلالية القضاء وإعادة بنائه على أساس الولاء بدلاً من الكفاءة.
يمثل تسييس القضاء في مناطق سيطرة مليشيا الحوثي انتهاكاً صارخاً لاستقلال السلطة القضائية ومبدأ الفصل بين السلطات، حيث عملت المليشيا على تفريغ المؤسسة القضائية من محتواها القانوني والدستوري عبر إدخال تعديلات جذرية على قانون السلطة القضائية وتعيين عناصر موالية لها في المناصب العليا، يفتقر الكثير منهم إلى المؤهلات الشرعية، لتتحول المحاكم في مناطق المليشيا إلى أداة لتصفية الخصوم السياسيين وقمع المعارضين، وتحويل مسار العدالة من حماية الحقوق والحريات إلى ترسيخ سلطة المليشيا السلالية، الأمر الذي من شأنه أن يهدد منظومة العدالة في البلاد، ويجعل المواطنين يفقدون الثقة في إمكانية الحصول على محاكمة عادلة ومحايدة.
الولاء بديلا عن الكفاءة
وقد بدأت سلطة الانقلاب الحوثي الخطوات الأولى بتغييرات تشريعية جذرية استهدفت قانون السلطة القضائية، حيث تم إفراغه من ضماناته المهنية، بموجة عبثية من التعيينات الواسعة في وظائف قضائية، على أساس الولاء للمليشيا، وممن ليسو من المنتمين إلى سلك القضاء، مما فتح الباب أمام ضخ عناصر موالية للمليشيا وغير مؤهلة في شرايين المؤسسة القضائية.
ولم تقتصر السيطرة على التعيينات فحسب، بل امتدت لتطال حرية المتقاضين وحق الدفاع، فقد أصدرت المليشيا الحوثية تعديلات خطيرة تمنح القاضي سلطة واسعة لإيقاف المحامي الذي لا يرضى عن دفوعه عن الترافع لسنوات عديدة، في خطوة تمثل تقويضاً مباشراً لمهنة المحاماة وحق المواطن في محاكمة عادلة ودفاع مستقل.
هذه الإجراءات الممنهجة حولت القضاء من سلطة مستقلة تراقب وتطبق القانون، إلى مجرد آلية لشرعنة قرارات السلطة القائمة، ومصادرة أملاك المعارضين، وإصدار أحكام مسيسة تخدم النفوذ الحوثي، وهو ما يمثل تدميراً لبنية الدولة الحديثة وحكماً بالإعدام على مبدأ الفصل بين السلطات في اليمن.
قضاة مؤدلجون
وفي خطوة أثارت موجة من القلق الحقوقي، كشف المركز الأمريكي للعدالة (ACJ) عن صدور قرار جديد من هيئة التفتيش القضائي التابعة لمجلس القضاء الأعلى في صنعاء، يقضي بتوزيع 83 خريجًا من دورة تنظمها المليشيا، على عدد من المحاكم في مناطق سيطرة الحوثيين، تمهيدًا لتعيينهم في السلك القضائي.
واعتبر المركز أن هذا الإجراء يمثل حلقة جديدة في سلسلة تسييس القضاء اليمني وتحويله إلى أداة أيديولوجية تخدم مشروع المليشيا، مشيرًا إلى أن ما يسمى بـ“التدريب المهني” ليس سوى غطاء لإقحام عناصر مؤدلجة داخل مؤسسة يفترض أن تكون مستقلة ومحايدة.
وأوضح المركز أن هذه الخطوة تأتي امتدادًا لتعديلات سابقة أجرتها المليشيا على قانون السلطة القضائية، منحت بموجبها رئيس ما يُسمى بالمجلس السياسي الأعلى صلاحيات التعيين القضائي، في انتهاك صارخ لمبدأ الفصل بين السلطات.
وحذّر من أن هذه التعيينات تمثل إعادة هندسة ممنهجة للبنية القضائية، وتهدد ما تبقّى من مقومات العدالة في اليمن، مطالبًا الأمم المتحدة والمفوضية السامية لحقوق الإنسان بالتدخل العاجل لوقف تسييس القضاء وضمان استقلاله المهني وفقًا للمعايير الدولية.
وقد نشر المركز الأمريكي للعدالة في مطلع العام 2024 بياناً كشف فيه عن عشرات الشكاوى المتعلقة بإقصاء خريجي كلية الشريعة والقانون من التسجيل في معهد القضاء بصنعاء، رغم استيفائهم لمتطلبات القبول كافة. وأكد المركز الحقوقي أن إدارة المعهد الخاضعة لمليشيا الحوثي استبعدت 1000 متقدم ومتقدمة من ذوي الكفاءة العلمية وأوائل الكليات، مع استبعاد كلي للإناث دون مبرر قانوني أو إخضاعهم للمفاضلة المقررة.
وبدلاً من ذلك، اختارت الإدارة 205 متقدمين من الذكور فقط، بناءً على تزكية من مشرفي المليشيا، مشدّدا على أن هذا الإقصاء يخالف المعايير الموضوعية للمعهد ويرتكز على اعتبارات الولاء المذهبي والجنس، مما يعكس نية المليشيا الواضحة في حصر التعيينات العامة بعناصرها.
وفي أغسطس 2022، أوقفت مليشيا الحوثي 70 قاضياً في النيابات الخاضعة لسيطرتها، مانعةً إياهم من استلام القضايا ريثما تُستكمل الأدلة ضدهم تمهيداً لمحاكمتهم.
وغرّد محمد علي الحوثي، عضو "المجلس السياسي" التابع للمليشيا، على منصة "إكس"، قائلا إن النائب العام علّق عمل السبعين ومنعهم من استلام الملفات دون ذكر التهم.
تأهيل الولاء
وبعد أن كان المعهد العالي للقضاء في اليمن الذي تم تأسيسه في العام 1982 مؤسسة حكومية ذات سيادة عليا، لها دور محوري، في إعداد وتأهيل وتدريب الكوادر القضائية وأعضاء النيابة العامة ورفع كفاءتهم، بهدف تعزيز استقلالية ونزاهة السلطة القضائية، حيث يتضمن البرنامج الدراسي فيه تأهيلاً قضائياً متكاملاً يجمع بين الجانبين النظري والعملي، ويسعى إلى التأهيل المستمر لأعضاء السلطة القضائية أثناء الخدمة، إلا أنه ومنذ أن سيطرت مليشيا الحوثي على صنعاء، تحوّل دور المعهد ليصبح أحد أدواتها لاحتواء القضاء والسيطرة عليه.
وقد تم ذلك من خلال إحداث تغييرات جوهرية في هيكلة القضاء وتشريعاته، مستغلةً المعهد كبوابة لأدلجة الجهاز القضائي، وتحويله إلى أداة طائفية.
وتشير تقارير إلى أن المليشيا سعت إلى فرض سيطرتها عبر التعيين في المناصب العليا بالمعهد ومجلس القضاء الأعلى، وتوجيه عملية التأهيل والتدريب لخدمة أهدافها، بما في ذلك التركيز على تدريس مواد دينية معينة، وتسهيل دخول كوادر غير مؤهلة قضائياً إلى السلك القضائي عبر المعهد أو عبر استحداث مسارات بديلة تتجاوز الشروط القانونية الصارمة، مما يهدد استقلالية القضاء ومرجعيته القانونية، إذ إن هذه الإجراءات تهدف إلى ضمان ولاء القضاة للنظام المسيطر وتمرير القرارات القضائية التي تخدم مصالح المليشيا.
عدالة مصادرة
ومنذ اللحظة التي استولت فيها مليشيا الحوثي على مفاصل الدولة اليمنية، لم يكن القضاء سوى الهدف الأهم في مشروعها للهيمنة والسيطرة، فهو يمثل العمود الفقري لأي دولة حديثة، وضمانة العدالة والحقوق، لذلك أدركت المليشيا أن التحكم فيه يعني التحكم في مصائر الناس ومصادرة العدالة باسم القانون.
ومع مرور السنوات، لم يَعُد القضاء في مناطق سيطرة الحوثيين مؤسسة وطنية مستقلة، بل تحوّل إلى أداة سياسية تُدار بالتوجيهات، وتُسخّر لخدمة مشروع المليشيا الفكري والمذهبي، فقد عمل الحوثيون بخطوات مدروسة على إعادة صياغة البنية القضائية من الداخل، بدءاً بتغيير التشريعات، مروراً بتعيين عناصر موالية لهم لا تملك المؤهلات القانونية، وصولاً إلى التضييق على المحامين ومصادرة حق الدفاع.
وهكذا أُفرغت العدالة من مضمونها، وتحول القضاء من حصن للحقوق إلى وسيلة للانتقام وإسكات الخصوم، في مشهد يجسد انهيار فكرة الدولة وسيادة القانون في اليمن.
شرعنة القمع
وفي نظر المتابعين للشأن القضائي والحقوقي في اليمن، فإن أخطر ما يترتب على سيطرة مليشيا الحوثي على مؤسسات الدولة في صنعاء منذ انقلابها وإحكام قبضتها على مؤسسة القضاء، ليس فقط تحويل السلطة القضائية إلى أداة تنفيذية، بل إحداث انهيار شامل في الثقة العامة بمفهوم العدالة نفسها، فالمواطن لم يعد يواجه محكمة قضائية، بل بات يواجه جهازا مُسَيَّساً وظيفته الأساسية لم تعد إنصاف المظلوم، بل قمع المعارضة وشرعنة النهب، وتتم هندسة ذلك عبر ضخ عناصر تفتقد للمؤهل القضائي وتتمتع بالولاء المطلق، ليصبح الحكم نابعاً من الأجندة وليس من القانون.
كما أن الإجراءات الأخيرة التي قيدت حرية المحامي وهددت مهنته، لم تكن سوى تصفية لدور الدفاع المستقل، مما يعني أن حق المواطن في محاكمة عادلة قد تم إعدامه فعلياً.
هذا التحول يضع اليمن أمام كارثة إنسانية وقانونية مزدوجة، حيث أضحى القضاء سلاحاً للتحفظ على أملاك المعارضين وإصدار أحكام طائفية أو سياسية، ليصبح القانون في مناطق السيطرة مجرد مرآة تعكس نفوذ السلطة القائمة، لا ضابطاً على تصرفاتها.
جهاز أمني بديل
وقد فرضت مليشيا الحوثي تغييرات هيكلية واسعة على قانون السلطة القضائية في مناطق نفوذها، لتُحكم بذلك قبضتها على منظومة العدالة وتُقوّض استقلالها.
ولم تكتف هذه التعديلات التي طالت 13 مادة، بانتهاك الدستور، بل سعت لإعادة صياغة القضاء بالكامل، وتمنح أخطر البنود المضافة سلطة الحوثي الحق في تعيين قضاة وأعضاء من خارج المؤسسة القضائية، مما يفتح الباب أمام إحلال عناصر طائفية موالية وغير مؤهلة قانونياً محل الكوادر الوطنية ذات الكفاءة، حيث إن الهدف هو توجيه القضاء لخدمة أجندة المليشيا وإقصاء أي صوت مهني مستقل.
كما استهدفت التعديلات جوهر حق الدفاع، حيث منحت القاضي سلطة إصدار قرار بمنع المحامي من الترافع لمدد طويلة، وهو ما وُصف بأنه تصفية لدور المحامين وهدم لحق المواطن في محاكمة عادلة، ومن شأن هذا الإجراء أن يسلب المحامين حصانتهم ويُقيد اعتراضهم على الإجراءات الباطلة.
ويؤكد الخبراء القانونيون أن هذه التعديلات تجاوزت مجرد انتهاك الدستور لتصل إلى حد إحلال "جهاز أمني" لفض المنازعات يفتقد للعدالة والقانون، وقد قوبلت محاولة تمريرها، حتى داخل مجلس النواب التابع للمليشيا، برفض برلمانيين وصفوها بـ"الجريمة" وإجراءات شبيهة بالمحاكم العسكرية والعُرفية.
رغم أن القضاء في مناطق السيطرة الحوثية يعاني بالفعل من هيمنة أشخاص عقائديين وأصدر أحكاماً بالإعدام ضد معارضين سياسيين، فإن هذه التعديلات تمثل "مذبحة للعدالة"، وتُكرّس انفصالاً قانونياً وقضائياً خطيراً، وتدميراً ممنهجاً لما تبقى من مؤسسات الدولة، حيث تسعى المليشيا عبر هذه الخطوات إلى فرض قانون المليشيا على الجميع بدلاً من قانون الدولة، وهو ما نددت به بشدة نقابة المحامين، معتبرة ذلك انتهاكاً صارخاً لمبدأ الفصل بين السلطات.
نيابة موجهة
وفي خضم هذا العبث الممنهج، فإن القضاء في مناطق سيطرة الحوثيين لم يعد وسيلة لتحقيق العدالة بقدر ما أصبح أداة لتصفية المعارضين السياسيين أو من لهم انتماءات مختلفة، فمنذ سيطرة المليشيا على مؤسسات الدولة، خضعت المحاكم لتوجيهات سياسية مباشرة، وتم تحويلها إلى ساحات لمعاقبة المعارضين، وإضفاء “شرعية قضائية” على الانتهاكات، فقد صدرت عشرات الأحكام الجاهزة بالإعدام أو مصادرة الممتلكات بحق ناشطين وصحفيين وأكاديميين، لمجرد مخالفتهم فكر المليشيا أو انتقادها.
كما تم استبعاد القضاة المهنيين واستبدالهم بعناصر موالية، مما أفقد القضاء حياديته واستقلاله تمامًا، ففي ظل هذه السيطرة، تحولت العدالة إلى أداة قمع تُستخدم لإرهاب المجتمع وتكميم الأصوات الحرة، بينما ظل آلاف المتضررين دون إنصاف حقيقي، وقد جعل هذا الانحراف الخطير الثقة بالقضاء تتلاشى، وكرّس واقعًا جديدًا يُدار فيه القانون لخدمة السياسة، لا لحماية الحقوق.
ولم يقتصر هذا الواقع المأساوي على المحاكم فحسب، بل امتد إلى أجهزة النيابة وهيئات التحقيق التي باتت تتحرك بتوجيهات فوقية لا علاقة لها بالقانون، حيث استخدمت التهم الجاهزة مثل "الخيانة" و"العمالة" لتكميم أفواه المعارضين، فيما منحت الحصانة للعناصر الموالية للمليشيا بغض النظر عما ارتكبوا من تجاوزات، كما استغلت القضايا المدنية والجنائية للابتزاز السياسي والمالي، في مشهد يفتقر إلى أدنى معايير العدالة والشفافية، مما جعل المواطن يفقد ثقته بالمؤسسة القضائية التي تحولت من ملاذ للإنصاف إلى أداة ترهيب، وأصبح اللجوء إلى القضاء في مناطق الحوثيين مغامرة محفوفة بالمخاطر، لا طريقًا لاستعادة الحق وتحقيق العدالة.
قانون مبتور
ووفقا لباحثين قانونيين فإن تعيين أشخاص غير مؤهلين قضائيًا في مناصب عدلية يشكل خطرًا جسيمًا على منظومة العدالة بأكملها، إذ يؤدي أولاً إلى انهيار مبدأ سيادة القانون عندما يُصدر الأحكام من لا يمتلك المعرفة الكافية بالنصوص والإجراءات القانونية، كما يترتب على ذلك بطلان العديد من الأحكام القضائية التي قد تصدر بالمخالفة لأصول التقاضي، مما يفتح الباب أمام الطعن في نزاهة وشرعية القضاء.
إضافة إلى ذلك، فإن هذا التعيين يسهم في إضعاف ثقة المواطنين بالمؤسسات القضائية ويدفع الناس إلى البحث عن بدائل غير قانونية لحل نزاعاتهم، بما يهدد السلم الاجتماعي، ويضاعف من حدة المشاكل والنزاعات، كما يؤدي إلى انتهاك حق المتقاضين في محاكمة عادلة، إذ يصبح القاضي خاضعًا لتوجهات سياسية أو فكرية لا لمبادئ العدالة، وهو ما يقوّض استقلال القضاء ويمهد لإفلات الجناة من العقاب.
فضلًا عن ذلك، فإن إقحام غير المؤهلين في السلك القضائي يعني تفريغ العدالة من مضمونها المهني وتحويل القضاء إلى منصة للولاء لا للكفاءة، فالقاضي الذي لم يتدرّب على أصول القانون ولا يملك ثقافة قضائية راسخة، يصبح أداة طيّعة في يد من عيّنه، مما يفتح المجال أمام الفساد والابتزاز واستغلال النفوذ.
كما يؤدي ذلك إلى إضعاف مكانة القضاء أمام المجتمع الدولي، ويمنح الخصوم السياسيين مبررًا للطعن في مشروعية مؤسسات الدولة، والأخطر من ذلك أن هذا النهج يزرع جيلًا من القضاة المؤدلجين الذين يكرّسون الانقسام المذهبي داخل مؤسسة يفترض أن تكون فوق كل الانتماءات، حاميةً للحق لا حارسة للمشاريع الضيقة.
تهم جاهزة
ومنذ سيطرتها على صنعاء ومؤسسات الدولة، شرعت مليشيا الحوثي في إعادة تشكيل القضاء اليمني بما يخدم أجندتها السياسية، مما انعكس بشكل مباشر على أوضاع المعتقلين والمتقاضين في مناطق سيطرتها، فقد وجد المعتقلون السياسيون، والنشطاء، وأحياناً المدنيون العاديون، أنفسهم أمام محاكم تُصدر أحكاماً سياسية تتجاوز القانون، حيث تُستخدم التهم الملفقة والاعترافات المنتزعة تحت الضغط لإدانة المعارضين أو من يُشتبه في وقوفهم ضد المليشيا.
أما المتقاضون العاديون، فقد بات القضاء بيئة غير مستقرة وغير موثوقة للفصل في النزاعات المدنية، إذ تتدخل المليشيا أحياناً مباشرة في القرارات، أو تضغط على القضاة لتوجيه الأحكام بما يتوافق مع مصالحها.
هذا التحول جعل القضاء أداة للضغط والابتزاز، وليس وسيلة لتحقيق العدالة، وخلق شعوراً واسعاً بعدم الثقة بين المواطنين والمؤسسات الرسمية.
نجحت المليشيا إلى حد كبير في تحويل القضاء من سلطة مستقلة إلى أداة بيدها، عبر السيطرة على تعيين القضاة، وتقييد التكوين المؤسسي للمعهد العالي للقضاء، وممارسة الإشراف المباشر على الملفات الحساسة. النتيجة أن العدالة في مناطق الحوثيين لم تعد معياراً للحقوق القانونية، بل أداة لضمان الولاء السياسي، مما يفاقم الانتهاكات ويزيد من معاناة المدنيين والمعتقلين على حد سواء.
انتهاك صارخ
وقد تصاعدت التحذيرات الدولية والمحلية بشأن الاستخدام المفرط والتعسفي لعقوبة الإعدام من قبل مليشيا الحوثي، في خطوة تُعد تصعيدًا خطيرًا لسياسة تصفية الخصوم السياسيين وقمع المعارضين. وتعكس الأحكام الأخيرة، التي تستهدف مدنيين ومختطفين، تدهورًا مريعًا في سيادة القانون واستغلالًا ممنهجًا للسلطة القضائية لتحقيق أجندات سياسية.
وقد أدانت الهيئة الوطنية للأسرى والمختطفين بشدة إصدار مليشيا الحوثي 145 حكمًا بالإعدام ضد مدنيين. وأكدت الهيئة أن هذه الأحكام الصادرة عن "محاكم غير شرعية" هي انتهاك صارخ و"تصفية حسابات سياسية"، كما أن شرعيتها منعدمة بقرار مجلس القضاء الأعلى.
وتشير الإحصائيات الصادمة إلى أن من بين المحكوم عليهم: متوفون، و مُفرج عنهم بصفقات تبادل سابقة، وأشخاص لم يُحتجزوا قط. وطالبت الهيئة بإلغاء فوري لهذه الأحكام و وإنقاذ 70 مختطفًا لا يزالون يواجهون خطر الإعدام، داعيةً المجتمع الدولي إلى التدخل العاجل وإجراء تحقيق مستقل لمحاسبة المسؤولين.
وفي 9 يوليو 2019، أصدرت المحكمة الجزائية المتخصصة في صنعاء، التي يديرها الحوثيون، أحكاماً بالإعدام على 30 أكاديمياً وشخصية سياسية من أصل 36 شخصاً تمت محاكمتهم.
وذكرت منظمة العفو الدولية أن الإجراءات القانونية كانت محاكمة صورية شابتها عيوب جوهرية، وأن التهم الموجهة إليهم، ومن ضمنها التجسس، كانت ملفقة. ومنذ سيطرتهم في 2015، استخدم الحوثيون هذه المحكمة بشكل متزايد لاستهداف خصومهم ومنتقديهم، بما في ذلك الأقليات الدينية كالبهائيين. وقد تضمنت الانتهاكات ضدهم الإخفاء القسري والتعذيب والحرمان من المشورة القانونية.
وفي إطار حملتها القمعية، أصدرت محكمة حوثية في صنعاء حكمين بإعدام ستة مختطفين والسجن 12 عاماً لامرأة مسنة، حنان المنتصر (47 عاماً)، بتاريخ 24 فبراير 2023.
ووجهت المحكمة إليهم تهمة تأييد الحكومة الشرعية والتعاون مع التحالف العربي. وقد كشف المحامي أن المختطفين، الذين تعرضوا للتعذيب والإخفاء القسري لسنوات، وجهت لهم تهم "التخابر" التي تستخدمها المليشيا كذريعة لتصفية خصومها السياسيين وقمع من تشك في ولائه.
وناشدت منظمات دولية مجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة للتدخل، مشيرة إلى أن عدد الأحكام القمعية المسيسة التي أصدرتها المليشيا يصل إلى نحو 500 حكم بين الإعدام والسجن.
قضاء منهار
ويمكن القول إن القضاء في مناطق سيطرة مليشيا الحوثي لم يعد سلطة لتحقيق العدالة، بل أداة لإدارة القمع وتكريس الاستبداد. لقد فقدت المحاكم روحها القانونية، وتحولت إلى واجهة شكلية لتبرير الانتهاكات وإضفاء شرعية على الممارسات الخارجة عن القانون، في مشهد يجسّد انهيارًا كاملاً لمبدأ الفصل بين السلطات. إن استمرار هذا النهج لا يهدد فقط المتقاضين والمعارضين، بل يقوّض ثقة المجتمع بالقضاء كمؤسسة، ويؤسس لمرحلة من الفوضى القانونية والإفلات من العقاب.
تُظهر الوقائع أن المليشيا ماضية في هندسة منظومة قضائية على أسس طائفية وولائية، ما ينذر بدمار طويل الأمد لبنية العدالة في اليمن. ويؤكد خبراء القانون أن استعادة استقلال القضاء لن تتحقق إلا من خلال إصلاح وطني شامل يعيد بناء المؤسسات العدلية على أسس مهنية محايدة، ويخضع إشرافها لضمانات دستورية ودولية حقيقية، تضمن حماية الحقوق وصون كرامة الإنسان بعيدًا عن التوظيف السياسي والابتزاز الأيديولوجي.