الإثنين 22-07-2024 01:39:57 ص : 16 - محرم - 1446 هـ
آخر الاخبار

زيارة الإصلاح للصين.. أجندات وطنية ونقاشات رفيعة المستوى

الخميس 04 يوليو-تموز 2024 الساعة 01 صباحاً / الإصلاح نت / الصحوة نت

 

 

قبل تسعة أعوام، حقق فيلم بعنوان "عملية البحر الأحمر" نجاحا كبيرا في الصين. تم الترويج له باعتباره الأول من نوعه في دور السينما الصينية وسيطر على شباك التذاكر. كان يحكي عن إنقاذ مواطن صيني احتجزه الإرهابيون كرهينة في دولة شبيهة باليمن على البحر الأحمر بالتزامن مع سيطرة الحوثيين على العاصمة صنعاء.

لا يخفي الفيلم السياسة الخارجية الصينية تجاه شبه الجزيرة العربية واليمن باعتباره بلداً استراتيجياً في طريق تجارة الدولة التي تملك ثاني اقتصاد في العالم، فالصين تستورد حوالي نصف نفطها الخام من الخليج، وتصدر إلى الاتحاد الأوروبي أكثر مما تصدره الولايات المتحدة. في وقت يعاني فيه اقتصاد اليمن وأوضاعه من أسوأ احواله منذ عقود بسبب حروب ميلشيات الحوثي.

لذلك تبدو الصين أكثر اهتماماً باليمن ما بعد الحرب لارتباطها بخططها الاقتصادية العابرة للحدود، ترى في اليمن شريك مهم في مشروع "الحزام والطريق"، الذي يهدف إلى ربط الصين بالعالم عبر استثمار مليارات الدولارات في البنى التحتية على طول طريق الحرير التاريخي الذي يربطها بالقارة الأوروبية، وهو أكبر مشروع بنية تحتية في تاريخ البشرية.

ليس ذلك فحسب بل إن اليمن في حالة حرب تعرقل خططها لتصبح قوة دبلوماسية عالمية خاصة بعد اتفاق العاشر من مارس/آذار 2023 بين المملكة العربية السعودية والجمهورية الإيرانية، بالإضافة إلى حالة التحول الجارية في العالم من ضرورة تعدد القطبية الدولية، عقب الحرب الأوكرانية الروسية، وبرزت أكثر خلال العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة.

 

حزب الإصلاح والصين

من هذا المنطق جاءت زيارة وفد رفيع من التجمع اليمني للإصلاح إلى بكين، وحفاوة الاستقبال من مسؤولي الحزب الشيوعي الصيني فطالما كان الحزب مدعواً لمؤتمراته خلال العقد الماضي. كما أنها جزء من دبلوماسية الإصلاح الذي يسعى لدعم الحكومة المعترف بها دولياً وتعزيز حالة الاتفاق في مجلس الأمن بشأن الملف اليمني.

يتضمن الوفد الذي يرأسه الاستاذ عبد الوهاب الآنسي أمين عام الحزب ومستشار رئيس الجمهورية، مسؤولين في الحكومة الشرعية بينهم: وزير الصناعة والتجارة محمد حزام الأشول، وفهد كفاين عضو هيئة التشاور والمصالحة ووزير الثروة السمكية السابق، ووكيل وزارة الإدارة المحلية، عبد الله القبيسي.

 ومن مجلس النواب: نائب رئيس البرلمان المهندس محسن باصرة، وعضو مجلس النواب ورئيس كتلة الإصلاح البرلمانية عبد الرزاق الهجري ونائب رئيس كتلة الإصلاح البرلمانية انصاف مايو. إضافة إلى الدكتور عبد الجليل سعيد رئيس دائرة التخطيط بالأمانة العامة، وعلي الجرادي رئيس دائرة الإعلام والثقافة ورئيس مكتب العلاقات الخارجية بالأمانة العامة ابراهيم الشامي.

يمثل الوفد النوعي بتخصصاته الحزبية والسياسية رؤية الحزب لشكل العلاقة مع الحزب الشيوعي الصيني باعتبارها تحت مظلة الحكومة المعترف بها دولياً التي تركز على الاقتصاد وحلّ أزمة الخدمات في مناطق الحكومة كما أفاد رئيس الوزراء أحمد عوض بن مبارك في اجتماعه الأول بالحكومة في فبراير الماضي.

 

اليمن في خطط الصين

كانت اليمن حاضرة في أجندة بكين في الشرق الأوسط منذ بدء خطط مبادرة الحزام والطريق. وبموقع اليمن الاستراتيجي على طول الطريق المرتبط بين آسيا وأفريقيا فإنها بحاجة يمن مستقر دون حالة حرب ودون تهديد للملاحة الدولية لتنفيذ رؤيتها الاقتصادية والسياسية.

فإلى جانب ما تمثله اليمن والاستثمار في موانئها من فرصة لتعزيز التجارة الصينية، فإن منطقة شرق أفريقيا هي الوجهة الأكثر أهمية للاستثمارات الصينية في أفريقيا في إطار مبادرة الحزام والطريق بحصة تبلغ نحو 40% وفي الفترة من 2013-2019، بلغت الاستثمارات في شرق أفريقيا 62.6 مليار دولار أمريكي.

وازدهرت العلاقات بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي خلال العقود الأخيرة، مما أدى إلى تعميق الروابط في مجالات الطاقة والتجارة والسياسة والثقافة. وتلعب اليمن والسعودية دوراً حاسماً في مبادرة الحزام والطريق الصينية وتوسعها غرباً، نظراً لموقعه الجغرافي المناسب وقربه من البحر الأحمر وخليج عدن.

وفي السنوات الأخيرة أصبحت شبه الجزيرة العربية إحدى المناطق المستهدفة للصين في جهودها لإعادة صياغة نفسها كزعيم عالمي مسؤول، حيث أطلقت حملة دبلوماسية عامة أدت إلى إنهاء القطيعة بين السعودية وإيران؛ وكان استخدام إيران لنفوذها على الحوثيين للموافقة على الهدنة والتفاوض حول المبادرة السعودية لإنهاء الحرب أحد كواشف صمود اتفاق العاشر من مارس.

 

الحزام والطريق

تقع اليمن في الركن الغربي للجزيرة العربية، وتشرف سواحلها الممتدة من بحر العرب وحتى البحر الأحمر على أحد أهم مسارات الملاحة الدولية، حيث أن اليمن يُعتبر أحد أبرز وأهم المحطات ضمن مشروع الصين “الحزام والطريق” أو كما يعرف “طريق الحرير الجديد”. وفي عام2019 وقعت اليمن والصين مذكرة تفاهم بشأن انضمام اليمن إلى هذه المبادرة.

وتريد اليمن الخروج من التعثر الاقتصادي المستمر حيث تمر اليمن بأزمة اقتصادية غير مسبوقة وكان صندوق النقد الدولي قد توقع نموًا سلبيًا للعام الثاني على التوالي في عام 2024، مع ارتفاع نسبة البطالة بين الشباب وخروج رؤوس الأموال من البلاد بسبب إجراءات الحوثيين. وهي بحاجة إلى الاستثمارات الخارجية في البلاد في الوقت الحالي وحتى بعد الحرب.

ومع وجود نحو 82% من اليمنيين يعيشون في فقر متعدد الأبعاد، ويعتمدون بشكل كبير على موارد السوق والمساعدات، فإن اليمن بحاجة للاستثمارات. ولأجل ذلك رحب الهجري والأشول بالاستثمارات الصينية في بلادنا في مختلف القطاعات، بما في ذلك قطاعات الطاقة والموانئ والمطارات، ومستقبلا في برامج إعادة الاعمار. كما أبدى القيادي في الإصلاح عبد الرزاق الهجري، أمله في دعم الصين لليمن في وضعها الاقتصادي السيء.

محمد الأشول بصفته وزيراً للصناعة جدد دعوة الحكومة "للمؤسسات والشركات الصينية إلى اليمن لاستكمال الأنشطة التجارية والإنشائية التي توقفت بسبب الانقلاب"، مطالباً الصين بتفعيل مذكرة التفاهم "الحزام والطريق". ووعد الهجري بصفته رئيس الكتلة البرلمانية للإصلاح بتقديم التسهيلات.

وفي عام 2012، وقعت شركة الصين الوطنية للتعاون الاقتصادي الخارجي (CCOEC) صفقة لبناء ثلاث محطات للطاقة تعمل بالغاز الطبيعي في البلاد. واتفق البلدان في عام 2013 على توسعة مينائين للحاويات في مدينتي عدن والمخا بتكلفة إجمالية قدرها 508 ملايين دولار. توقفت هذه المشاريع بعد انقلاب الحوثيين، وتسعى الحكومة اليمنية لعودة تلك المشاريع. وفي 2020 أكد السفير الصيني السابق لدى اليمن "كانغ يونغ"، في حوار صحفي، أن بلاده ستنفذ كل الاتفاقيات التي وقعتها مع اليمن قبل 2015م.

 

الهوية والثقافة المشتركة

كان طريق الحرير في عصر ازدهار الأمة الصينية وهو العصر ذاته لازدهار تاريخ اليمن القديم وطريق البخور الذي اكتسب اهمية مماثلة في ارتباط الشرق والغرب. ومن خلال السردية الصينية فيما تسميها "النوع الجديد من العلاقات الدولية"، إذ ترى أن سياستها الخارجية تركز على تشكل الهوية والثقافة من خلال التفاعل بين العلاقات الاجتماعية والعلاقات الدولية.

وترى في علاقتها السياسية مع الأحزاب اليمنية صورة لهذا النوع من العلاقات الدولية، وباعتبار حزب الإصلاح أكبر الأحزاب اليمنية من حيث القاعدة الشعبية (الاجتماعية) فإن ديمومة العلاقة مع دولة ذات موقع استراتيجي ترتبط بعلاقات جيدة مع الحزب اليمني من منطلق أن حدود السياسة الخارجية تجاه اليمن ترسمها العلاقات الاجتماعية للسياسة تحت مظلة مؤسسات الدولة الشرعية.

لذلك حرص الحزب الشيوعي الصيني على أن تتضمن جولة وفد حزب الإصلاح متحف القصر الامبراطوري والمدينة المحرمة. كما حرص على تقديم المشاريع العملاقة للمدن الصينية والحديثة والتي وصفها نائب رئيس مجلس النواب، والقيادي في التجمع اليمني للإصلاح، المهندس محسن باصرة "بالمعجزة".

وهي جزء من تأكيد الصين لوجودها كزعيم عالمي جديد في عصر التعددية القطبية الناشئة، كما يقول الباحث والمسؤول البارز تشين يا تشينغ، فإن جوهر السياسة الخارجية الصينية لا يتمثل في معضلة أمنية واقعية، بل في "معضلة هوية" تفسيرية: من هي الصين، وكيف تنظر إلى العالم؟ وهي على عكس الواقعية الغربية التي ترى في السياسة الخارجية أداة لمواجهة المعضلة الأمنية في النظام الدولي.

بالمقابل أكد الأشول أيضاً على إمكانية أن يحقق المسار الصيني نجاحاً بالقول: "العلاقات الحضارية، هي الشريان الواصل بين الكيانات الدولية التي يُبنى عليها التفاهم وحسن الجوار والعلاقات السياسية والاقتصادية والتجارية"، مشيراً إلى أن ذلك "ملموس في السرديات التاريخية عن التجربة اليمنية الصينية التي ظلت قائمةً على التبادل التجاري والتواصل الإنساني".

 

دعم الحكومة الشرعية

جاءت زيارة وفد حزب الإصلاح كجزء من حملة العلاقات العامة للحكومة الشرعية، لإبقاء زخم الدعم الدولي للحكومة ضد ميليشيا الحوثي. وطوال السنوات الماضية كانت بكين داعماً للحكومة، بما في ذلك تأكيدها على المرجعيات الثلاث للحل السياسي والقرار 2216، ودعمت جميع قرارات الأمم المتحدة الداعمة للحكومة في مجلس الأمن منذ 2011 وحتى اليوم.

وإلى جانب دعم الحكومة اليمنية في مجلس الأمن، والجهود الدولية الرامية إلى دفع عملية السلام في اليمن ومخرجات الحوار الوطني، تدعم الصين تقديم " مساعدة مخصصة " لليمن، حسب ما أعلنه مبعوث الصين السابق لدى الأمم المتحدة عام 2019 بتركيز الجهود على تخفيف أزمة النفط في اليمن واستقرار الريال اليمني والأسعار للمساعدة في تحسين معيشة اليمنيين. مؤكداً استعداد بلاده للعمل من أجل إعادة إعمارها بعد الحرب.

تحتاج اليمن إلى كل الدعم من الحلفاء والأصدقاء، لاستعادة اقتصاد البلاد وإعادة الإعمار، إلى جانب إبقاء العمل السياسي في اليمن مستمراً في ظل استمرار الانقلاب وأفكار إلغاء الآخر وإغلاق اليمن على نفسه ليعاني الجوع والمرض والموت والإهمال. كانت زيارة حزب الإصلاح لتأكيد أن البحار والمحيطات قادرة على استيعاب مشاريع الجميع مع حق اليمن في التنمية والازدهار على خطوط التجارة العالمية والاستفادة الموقع الاستراتيجي للبلاد بما يخدم مواطنيه وتعزيز الاستقرار.