فيس بوك
التكتل الوطني يعلن دعمه لإجراءات وقرارات مجلس القيادة والحكومة دفاعًا عن السيادة الوطنية
القانون الموازي.. إستراتيجية الحوثيين لشرعنة نهب الأموال ومصادرة الحقوق
المجلس الأعلى للتكتل الوطني يناقش مخرجات اللقاء مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي
اختتام الملتقى الأول للقيادات الطلابية بإصلاح محافظة المحويت
رئيس الهيئة العليا للإصلاح يعزي أمير دولة قطر في وفاة الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة
رايتس رادار: رواية الحوثيين حول قحطان تفتقر للمصداقية ونطالب بتحقيق دولي
عبدالله العليمي: الحوثيون يحولون معاناة اليمنيين إلى أداة ابتزاز والحكومة ماضية في استعادة الدولة
الإصلاح والحضور السياسي والدبلوماسي: من توحيد الصف الوطني إلى دعم مسار استعادة الدولة
الدكتور عبدالله العليمي يشارك في مؤتمر لندن ويبحث حشد الدعم الدولي لليمن
تمر المجتمعات في تاريخها بمحطات فاصلة تتجاوز حدود الأحداث العابرة، لتتحول إلى علامات فارقة تكشف طبيعة الصراع الدائر، وتُحدّد اتجاهاته ومستقبله. وفي مثل هذه المحطات يبرز رجال يختصرون في مواقفهم معاني الثبات والكرامة والوفاء للمبادئ، فيصبحون جزءاً من الذاكرة الوطنية، ورموزاً للتضحية والثبات، ويشكلون ـ كذلك ـ مدخلاً مهماً لفهم طبيعة الصراعات التي تشهدها المجتمعات، إذ تتجاوز دلالاتها حدود الأفراد لتصبح مؤشراً على اتجاهات سياسية وفكرية واجتماعية واسعة.
إن الحديث عن الرجال العظماء يكتسب طابعاً خاصاً؛ فهم لم يعيشوا لأنفسهم ولتحقيق مصالحهم؛ بل عاشوا مثقلين بهموم مجتمعاتهم عاملين - بإخلاص - لتلبية آمالهم وتحقيق طموحاتهم، فتراهم لا يألون جهداً لتقديم كل ما في وسعهم في مختلف مجالات الحياة؛ التعليمية والثقافية والاجتماعية والتنموية وغيرها، ولا يتوقفون عند مهمة معينة أو يكتفون بالعمل في مجال واحد؛ بل يبحثون عن الفرص المتاحة للعمل من خلالها في كل مجال وفي أي وقت من غير مَنٍ ولا أذى..
في هذا السياق عاش شيخنا الكريم شهيد القرآن الشيخ صالح أحمد حنتوس؛ حيث أوقف حياته وجهده وكل ما يملك خدمة لأبناء مديريته ومحافظة ريمة بشكل عام، فعلّم الأجيال ونشر الوعي وحارب مظاهر الجهل والتخلف، وقدم الكثير من الخدمات في المجالات الحياتية كافة.
عاش شهيد القرآن بهمة عالية تناطح السحاب وعزيمة صلبة عصية على الانكسار، وإرادة قوية لا تتوقف إلا عند تحقيق أهدافه الكبيرة وإنجاز مشاريعه الاستراتيجية. وقبل هذا وذاك؛ كان شجاعاً مقداماً لا يخاف في الله لومة لائم؛ يشار إليه بالبنان؛ ولا أدل على ذلك من مواقفه الجريئة في وجه جماعة الحوثي الإرهابية بضع سنين من المقاومة والكفاح، والتحدي والثبات؛ انتهت بنيله الشهادة في سبيل الله شامخاً حراً كريماً؛ وقد تجّلت شجاعة الشهيد في تفاصيل تلك الجريمة البشعة التي ارتكبتها العصابات الحوثية الإرهابية بحقه وأسرته الكريمة؛ فقد كان الشهيد يدرك أن نهايته بمجرد ظهوره في مسار الأعيرة النارية والقذائف التي كانت لا تتوقف منذ اندلاع المعركة؛ تنهمر على منزله كاليوم الماطر، وكان الغزاة القتلة يدركون ذلك أيضاً، ومع ذلك لم يولّ القتلة دبره ولم يغلق النوافذ دونهم؛ بل قاتل قتال الشجعان بثقة وعزيمة وتحدٍ غير مسبوق. والأمر كذلك في حوار الشيخ للغزاة المجرمين، فقد كان حافلاً بمعاني العزة والإباء والصمود. إنّ ثبات الشيخ منفرداً أمام مئات القتلة وعشرات الآليات المتوسطة والثقيلة يجسّد شجاعة نادرة وعملاً أسطورياً غير مسبوق، يجعل الشيخ سيد شهداء العصر.
إن إقدام جماعة الحوثي الإرهابية على قتل الشيخ حنتوس في الأول من يوليو 2025م، وإصابة زوجته وعدد من أفراد أسرته، والاستيلاء على دار القرآن وإحراق المكتبة، ثم مواراة جثمان الشهيد خفية في جنح الليل المظلم؛ لم يكن حدثاً معزولاً عن سياقه العام؛ بل جاء ليعكس طبيعة الصراع بين المبادئ والقوة، وبين الكلمة والسلاح، وبين إرادة الشعب ومشاريع الهيمنة والاستبداد التي تسعى جماعة الحوثي لفرضها على الشعب اليمني تنفيذاً لأجندة إيران التوسعية، كما يسلط الضوء على حجم التحديات التي تواجه العلماء والمربين وأصحاب الرأي في أزمنة التحولات الكبرى، حين تستولي عصابات مليشاوية طائفية على مقاليد الأمور؛ ومن هنا فإن الحديث عن شهيد القرآن لا يقتصر على استعراض سيرة رجل صالح أو عالم مجاهد، بل يمتد إلى قراءة مرحلة تاريخية تمتد منذ انقلاب الحوثيين على الشرعية الدستورية والإجماع الوطني وسعيها الحثيث لفرض أجندتها الدخيلة على الشعب والوطن إلى يومنا هذا.
لقد أفنى الشيخ صالح حنتوس سنوات عمره في تعليم كتاب الله، وغرس قيمه في نفوس الأجيال، وبناء الوعي المستنير في مجتمعه، حتى أصبح علماً من أعلام القرآن، ومرجعاً تربوياً ودعوياً لأبناء المحافظة، وحين حاولت جماعة الحوثي الإرهابية إخضاعه؛ سجل موقفاً مشرفاً من الثبات والصبر والتضحية.
كان الشهيد - رحمة الله تغشاه - شغوفاً بحفظ القرآن الكريم محباً لطلب العلم منذ أيامه الأولى في التعليم؛ فقد انقطع للتعلّم والحفظ في قريته، ثم سلك طريق مكة المكرمة يلتمس فيها علماً، فعاد منها عالماً مهاباً يحظى باحترام وتقدير المجتمع، فأسهم في تعليم الشباب وتربيتهم وبناء المؤسسات التعليمية والتربوية، وكان صاحب اليد الطولى في حمايتها والدفاع عنها فآتت أكلها كل حين؛ نوراً وعلماً ووعياً.
لم يكن الشيخ صالح حنتوس قائداً عسكرياً، ولا صاحب سلطة أو نفوذ سياسي، بل كان رجل قرآن وتعليم وتربية، آمن بأن بناء الإنسان هو أساس بناء الأوطان، وأن تحصين المجتمع بالفكر الصحيح والعلم النافع هو خط الدفاع الأول عن حريته وكرامته ومستقبله، ولهذا اكتسب حضوره تأثيراً كبيراً، وأصبح يمثل أنموذجاً للعالِم المجاهد والداعية المستنير؛ فعاش مقاوماً لمحاولات الحوثيين ـ ومن خلفهم إيران ـ طمس هُوية المجتمع الفكرية والسياسية والثقافية، وسجل مواقفه العظيمة التي ستبقى جزءاً من ذاكرة اليمنيين.
لقد خاض شهيد القرآن الشيخ صالح حنتوس غمار الحياة بقوة وعزيمة، وكان حاضراً ومؤثراً في كل المراحل والمحطات، وترك بصماتٍ نوعية في معظم المجالات؛ فكان نعم القائد المتميز والإداري الناجح في المؤسسات التعليمية والجمعيات الخيرية، وجهوده في تأسيس التجمع اليمني للإصلاح، ثم رئاسته لدائرة التوجيه والإرشاد بمكتب إصلاح ريمة، وعضويته لهيئة الشورى المحلية بالمحافظة ومجلس شورى الإصلاح.
ظنت جماعة الحوثي الإرهابية أنها بقتلها الشيخ حنتوس ستطفئ نوره وتخفي أثره؛ فأشعلت العالم من حولها، وأسمعت به العرب والعجم وملأ صيته الآفاق، وارتد السحر على الساحر؛ فأجمع العالم على إدانة الجريمة واستنكارها وتحميل المسؤولية كاملة جماعة الحوثي، وكان لذلك انعكاساته المباشرة على مساعي الحوثيين لتقديم أنفسهم رجال دولة وشركاء المجتمع الدولي، وهنا يمكن القول إن الشهيد حنتوس قد استمر جهاده للحوثيين الإرهابين وقد صعد إلى عليين في مقعد صدقٍ عند مليكٍ مقتدر!
ستبقى آثار الشهيد المتعددة ومواقفه الخالدة خير دليل على عظمته وعلو همته، فهناك المئات من حفاظ القرآن الكريم الذين تتلمذوا على يد الشهيد، ومثلهم من المعلمين والقادة والإداريين وأصحاب الرأي في طول البلاد وعرضها، وسيظل الفصل الأخير من حياة شهيد القرآن مدرسة جامعة لكل معاني الشجاعة والثبات والتحدي والصمود؛ يستضيء بها المناضلون الأحرار في نضالهم الوطني ومعركتهم المصيرية ضد بقايا الإمامة الكهنوتية جماعة الحوثي الإرهابية.
أخيراً تؤكد معركة الحرية والكرامة التي خاضها شهيد القرآن ضد العصابات الحوثية الإرهابية؛ أن هذه العصابات لا تعيش إلا تحت ظل أسلحتها الثقيلة؛ فإذا كُسرت.. انتهت إلى غير رجعة، وسيتم ذلك ـ لا محالة ـ إن عاجلاً أو آجلاً.