الجمعة 24-05-2019 12:53:09 م : 20 - رمضان - 1440 هـ
آخر الاخبار
"شوقي".. القتلة خارج القفص!
بقلم/ خالد الشودري
نشر منذ: 3 أشهر و 8 أيام
الأربعاء 13 فبراير-شباط 2019 03:07 م
  

أفقت من نومي في ذلك اليوم الكئيب لأتلقى الخبر الفجيعة عبر وسائل التواصل الاجتماعي: الشيخ شوقي كمادي اغتيل! خبر نزل عليَّ كالصاعقة، فالشيخ رحمه الله كان قد تواصل بي الليلة التي سبقت لمعرفة أخبار المخفي قسريا التربوي زكريا قاسم والذي تربطه بالشيخ علاقة قوية.

الشيخ شوقي محمد مقبل كمادي من أبناء المعلا، رجل عرف عنه أنه نذر حياته للتعليم ونشر التنوير من خلال مسجده ومدرسته على مدى أكثر من 20 سنة، تعرفه مدينة عدن برجل الوسطية والاعتدال، لذا فقد حل الحزن يومها كل بيت.

ظل معبرا عن تطلعات الشباب في ثورة فبراير خطيبا بليغا وكليما فصيحا في ساحتهم، لم يفارق هموم مدينته ولا أبناءها، فقد كان من الناس وإلى الناس.

وعند اجتياح مليشيا الحوثي لعدن، حمل على عاتقه إيواء النازحين وإغاثتهم وتخفيف معاناتهم، فكان يدا حانية على كل من وصل إليه.

شوقي أحد ضحايا المخطط الكبير الذي استهدف مدينة عدن ولا يزال في بنيتها التربوية والتنويرية، من خلال تجريف رموزها وكوادرها المؤثرة. تخيلوا مدينة تفرغ من زارعي القيم ومعلمي الناس الخير ومذكريهم بصوت الضمير، كيف يكون حال شبابها وأجيالها الجديدة؟ إنه مخطط للتخلص من حراس الفضائل والمعروف بين الناس وأصحاب الرصيد الأخلاقي، فمجرد التخيل أمر مخيف ويبعث الرعب في نفوس العقلاء.

عام مضى بلغة الأرقام وأعوام مضت بحجم الخطيئة التي اقترفها قاتلو شوقي ورفاقه من المصلحين، فالقتلة في كل جرائم الاغتيالات التي شهدتها المدينة لم يُقبض على أحد منهم حتى اللحظة، بل ربما تجدهم يستعدون لخطيئة جديدة ليقترفوها في وضح النهار دون حسيب أو رقيب، تلك هي الجريمة الحقيقية، فحين تؤمن العقوبة يساء الأدب كما يقال.

ولا أقل جرما من القاتل الفعلي إلا من يبرر له فعلته أو يمهد لها بخطاب التحريض في منصات التواصل من خلال بث الأكاذيب وترويج التهم وتضليل الرأي العام. ناشطو الدفع المسبق الذين تطفح بهم وسائل التواصل يبثون خلالها أكاذيبهم دون خوف من الله أو وازع من ضمير. إنهم قتلة (مودرن) تجدهم يتكلمون عن أحلام المدنية والرقي وجوهر القضية، وأقلامهم تقطر دما وتطفح كراهية. يقتلون بمنشوراتهم و"لايكاتهم" و"شيراتهم" ولا يشعرون بأدنى شعور بالذنب.

لا تزال لوعة الحزن والألم تخيم في قلوب كثير من محبي شوقي وتلامذته وجيرانه وأهل مدينته كأنما اغتيل البارحة، فزارع البسمة على شفاه الأطفال والكبار في مصلى العيد خطفته مشاريع الموت ومصاصو الدماء. قتل شوقي أثناء خروجه من محراب تعليمه في ثانوية "مأرب" تلاحقه دعوات كل الكائنات التي تصلي على معلمي الناس الخير.

بكت شوقي عدن بكل أطيافها وألوانها و فئاتها، بكاه الصغير والكبير، والرجال والنساء، والقريب والبعيد، بكوا الأخ والسند والمعلم والأب والجار ورجل العامة والفزعات.

لكن عزاءنا في بقاء الخير أصيلا في هذه المدينة الولادة والمعطاءة التي عرفت العبادي والبيحاني وباحميش والغرباني وكامل صلاح وجابر وأحمد مهيوب والسروري، وغيرهم كثير من حملة مشاعل النور والمصلحين الذين حتى وإن غيب بعضهم بقيت آثارهم حتى اليوم شاهدة عليهم، وأعقبتهم أجيال تحث الخطى على نفس الدرب والطريق.

حماك الله يا عدن من كيد الأشرار.. إن القلم يدمع بمداد الألم، والأنامل تبكي لوعة الفراق.. حسبنا غدا نلقى الأحبة، وإنا على فراقك لمحزونون.. رحمك الله يا شوقي وأسكنك في عليين، واللعنة على قاتليك إلى يوم الدين.